القائمة البريدية
محليات

الاقتصاد بلا هوية ضياع وفوضى وتجريب وضلال .. المسؤولون يكرهون مصطلح «هوية الاقتصاد» ويهـربون من رؤية العيـوب والأخطـاء

الاقتصاد بلا هوية ضياع وفوضى وتجريب وضلال .. المسؤولون يكرهون مصطلح «هوية الاقتصاد» ويهـربون من رؤية العيـوب والأخطـاء

دمشق ..
المستثمر يعمل بمبدأ التضحية بأموال حالية في سبيل الحصول على أموال مستقبلية، فكيف يمكننا أن نطلب من مستثمر يضحي بأمواله على طاولة مجهولة الاتزان لا تؤمّن له الإشباع المستقبلي أو حتى الأمل بالإشباع نتيجة متغيرات عدة، من تغير سعر الصرف ومعدلات الفائدة والضرائب والرسوم والقوانين وتشتت الهوية الاقتصادية والمسار المستقبلي لرؤية الدولة التي على أساسها يجلس المستثمر على طاولة الحكومة ويقلّب الفرص الاستثمارية للفوز بفرصته المنشودة؟؟..

ونظراً لكون الاستثمار يعتبر الوسيلة ذات الأهمية التي تساهم في عملية التنمية لأي دولة تعتبر الهوية الاقتصادية الكلمة المفتاحية في الاستثمار وجذب رأس المال الذي يوصف بالجبان.

الدستور السوري حدد مهمة الاقتصاد الوطني على أسس تنمية النشاط الاقتصادي العام والخاص بهدف تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع والأفراد عبر تحقيق النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية للوصول إلى التنمية الشاملة والمتوازنة والمستدامة وحماية المنتجين والمستهلكين ورعاية التجارة والاستثمار ومنـع الاحتكار من دون أن يحدد تسمية محددة لهوية الاقتصاد.

ومرّعلى سورية منذ حكومة الأمير سعيد الجزائري في أيلول 1918 حتى اليوم أكثر من مئة حكومة وما زالت هوية الاقتصاد السوري توصف بالتركيبة الفريدة و»الخصوصية الاقتصادية» غير واضحة المعالم وغير محسوبة على نهج أحد المعسكرات الكبرى الاشتراكي أو الرأسمالي فالاقتصاد يسبح ما بين الاقتصاد الحر والاجتماعي والزراعي والصناعي ويسعى إلى تقليد الاقتصاد الصيني بإيجاد مدرسة خاصة به لكنه للأسف حتى اليوم مازالت الاستراتيجيات الاقتصادية تبنى بعقلية فردية وتغيب الخطط الشمولية والربعية «ربع عام».

«الخبر» استطلعت بعض آراء المهتمين بالاقتصاد والتي تركزت نظرتهم على وصف الاقتصاد السوري بفاقد الهوية ويعاني من حالة التخبط والعشوائية ولا يوجد رؤية موحدة جامعة لهوية الاقتصاد السوري في المرحلة القادمة وضرورة تحقيق النمو الاقتصادي وضمان عدالة توزيع المنافع والاستدامة.

ويرى رئيس قسم الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق الدكتور عدنان سليمان في تصريح خاص لصحيفتنا أن الهوية مسطرة حساب ,تفضح انزياحك عن معايير وقيم, ترسم عملاً, وتحدد رؤى ,وتبني مشروعاً.

واعتبر سليمان أن الهوية بمثابة الروح من الجسد، ومرآة تعكس ميزان الحساب، لافتاً الى أن جميع مسؤولينا الاقتصاديين أي الحكوميين, ومنذ أكثر من أربعين عاماً, يكرهون مصطلح «هوية الاقتصاد»، ولا يستعجلون الحساب فيهربون من مصارحة رؤية العيوب والأخطاء ويبقى حال الاقتصاد بلا هويته ,ضياعا وفوضى وتجريباً ,وضلالاً.

وأشار سليمان الى المرة الوحيدة التي انبرى فيها مسؤولونا لتحديد هوية الاقتصاد «اقتصاد السوق الاجتماعي «والتي حملت تضليلاً ومواربة، كون الواقع كان يساق ويدار بأدوات الاقتصاد الليبرالي، برضى وسعي رأسمالي نخبوي محلي، وكانت السوق الليبرالية تأخذ المجتمع رهينة التحرير والتعويم وعقلنة الدعم.

ورداً على سؤال حول دور أساتذة الاقتصاد في بلورة هوية الاقتصاد السوري.. قال سليمان: «لا ينتظرن أحداً أن يبدع الاساتذة نظرية اقتصادية عن الهوية، لأنها لن تجد سوقاً لها، ومن قال إن الاقتصاديين تستساغ خفة دمهم... ابداً المسألة ببساطة لا تحتاج إلى البحث كثيراً في التنقيب عن اقتصاد الطلب، أو أدوات الاقتصاد الكينزي التوسعي, هو اقتصاد العرض الليبرالي..ومرجعيته في المزيد من تحرير الاقتصاد». وحول آلية الخروج من الاقتصاد الليبرالي، اعتبر رئيس قسم الاقتصاد أن اللحظة التاريخية, التي كان ينبغي على الحكومة أن تنقلب فيها على الليبرالية ورموزها وأدواتها ,أي خلال سنوات الحرب ,هي لم تفعل ذلك,ظل الطبع غالبا , حيثما تندلع الحرائق يذهب الاطفائي, وحيثما تمزق النسيج الاجتماعي , نبحث عمّن يرتق الثقوب.وكأن الأزمة الحرب ,وما بعدها , لا تحتاج الى سياق تنموي أو خياراً مستقبلياً للاقتصاد.

وبعد رفض وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية سامر الخليل الاجابة على اسئلتنا حول رؤية الوزارة لهوية الاقتصاد السوري بحثنا عن مهام الوزارة «وفق ما جاء في المرسوم التشريعي رقم 21 بعد حذف مهام وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك «لنجد أنها تعمل على رسم السياسة الاقتصادية والتجارية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية واقتراح التدابير المناسبة لرفع معدل النمو الاقتصادي وتنسيقها مع السياسات النقدية والمالية بما يحقق التوازن الاقتصادي الكلي وذلك تماشياً مع «اقتصاد السوق الاجتماعي».

وزير المالية له رؤية أخرى حول هوية الاقتصاد السوري واعتبر في تصريح صحفي على هامش منتدى المال والمصارف والتأمين أن هوية الاقتصاد السوري معروفة، زراعية بالدرجة الأولى، واجتماعية تظهر في الدعم الحكومي الذي تقدمه في الموازنة العامة للدولة حيث تتحمل 1511 مليار ليرة في موازنة العام القادم للدعم الاجتماعي، وصناعية في دعم قطاع الإنتاج، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وهذا ما يؤكد ما ذهب إليه رئيس قسم الاقتصاد بأن حال الاقتصاد بلا هوية ,ضياعاً وفوضى وتجريبً ,وضلالاً، ولكن إلى متى سيبقى هذا الحال وهل تظن الحكومة أن الشركات الاستثمارية تندفع الى اقتصاد بلا هوية أم نحن أمام معاناة جديدة قوامها «مزاجية التفسيرات»؟

الخبر - طلال ماضي



الاحد 13-01-2019
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق