القائمة البريدية
ثقافة وفنون

آهٍ منك ... يا غصن الزيزفون

آهٍ منك ... يا غصن الزيزفون

كتب الاعلامي محمد هيثم زين العابدين جمعة .. قريتي ضيعة الزيزفون ... منذ سنين ... في ضيعتي الوادعة المسترخية في أحضان جبال القلمون ... في ضيعتي أشجار الزيزفون كانت على موعد في كل صيف مع مهرجانها الخاص مع عرسها مع فرحتها التي تنتظرها كل عام أن تمر لأنها ستتجلى حينها على أبناء الضيعة بأحلى حللها و أطيب العبق و العطور ...
     كانت أشجار الزيزفون تعيش حالات مختلفة فهي في النهار أشجار عادية كبقية الأشجار لا يجنى منها أكثر من فيئها و زقزقة العصافير و الدوري ... إلا أنها تعطيك في الليل الجمال الحقيقي . فإذا ما حل الليل ... فهي العروس في خدرها ... الخجولة بطبعها ... فهي تختفي عن أنظار الناس في النهار تحت غطاء السكون و الظل الذي يجده المرء في أي مكان يذهب إليه فلا يؤبه لها حتى إذا جاء الليل بعباءته و رماها عن كتفيه مغطيا بها ضيعتي الهانئة بعد أن تكون قد خلت شوارعها من المارة و هجع أهلها و هدأ نشاطها استأذنت أشجار الزيزفون صديقها الليل أن تسفر عن الوجه الحقيقي ... فإذا هي أوانس قد نضت ثيابها و ارتدت للسكون ثوب الجمال ثم تعطرت و خرجت تنشر عبقها في أثير الليل ليمر على أهل القرية و كأنها أم أخذت تمسح على جبين وليدها ليهنأ في نومه ...  فإذا ما خالطت قلوب العشاق راق لها أن تمكث قليلا فهي تريد أن تعطي للحب الصافي أريجه و نقاءه ففي الطبيعة و من الطبيعة يتعلم الإنسان العاشق كيف يكون الحب و الغرام في أعلى مستوياته .
     في ذلك الوقت كنت أشعر بأن الزيزفون له رائحة ليست كغيره من الزهور ... له عطر النبات و له فوق عطر النبات عطر القلوب ، عطرٌ نفاذٌ إلى سويداء الفؤاد ، يكاد يحيي القلوب الميتة فيملؤها حبا و عشقا و يعلمها كيف تكون الحياة و كيف تعاش بالحب ... في الحقيقة كنت أشعر بشعور غريب يومها شعور جعلني لست بين الناس و جعل قلبي يخفق بطريقة ليست مثل قلوب بقية البشر ... شعور جعل كفيَّ كمن كانتا مغمورتان بماء نبع تفجر من بين الصخور فهو الثلج قد ذاب ... أشعر باللهفة ... لكن كنت دائما أحار في سبب كل ذلك .
تمر السنوات تلو السنوات ... تطوح بي الحياة في دوامتها تنقلني حيث أرادت إلى أن جاء ذلك اليوم ... عندما رأيتها و قد حملت غصن زيزفون بدا بين أناملها كمن أصيب فعولج ثم سمح له بنقاهة فكانت نقاهته حيث اختار ... و غصني الجريح اختارها بين أناملها يداعب منها أطراف البنان بناعم خدوده يرجوها أن تفيض عليه من جمالها و نقائها و صفاء قلبها و عطر روحها ... عندها أدركت فقط ما سر ذلك الشعور الذي كان ينتابني كلما شممت عطر الزيزفون ... و ما سر تلك الخلجات و الخفقات التي كان يعيشها قلبي و ما سر برودة أطراف أصابعي ...
عندها أدركت كل شيء ... و علمت أنني كنت منذ ذلك اليوم على ميعاد مع النقاء و الصفاء و رونق الضياء و حلاوة الروح ... عندها أدركت أن شجر الزيزفون في ضيعتنا كان متصلا بها يستمد حياته المادية من منبته و يستمد جماله و عطره من جمال و عطر هذه الأميرة ... أميرة الربيع .عندها أدركت أنني سأكون  و الحياة و النقاء و الصفاء على ميعاد ...
آآه ... ماذا فعلت بي و ما الذي حركته في كياني أيها الجريح المسكين .
 آهٍ منك آهٍ ... آه ِ منك يا غصن الزيزفون ...



الثلاثاء 27-11-2018
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق