القائمة البريدية
رأي

«انهض واقتل أولاً».. بقلم : حسن م. يوسف

«انهض واقتل أولاً».. بقلم : حسن م. يوسف
علمتني الحياة أن عدو عدوي قد يكون أعدى أعدائي، وأكد لي ذلك عندما هلل بعض العرب لفوز ترامب على هيلاري كلينتون بالرئاسة الأميركية واعتبروه نصراً لهم، فاعترف ترامب بالقدس عاصمة للكيان الغاصب وأفقر الأنظمة العربية وعزز الفوضى في دنيانا وهو يدفع منطقتنا الآن إلى تخوم المجهول. لذا أنظر بكثير من الارتياب إلى كل ما يأتي من الغرب الاستعماري وكيانه السرطاني الذي زرع في فلسطين، لكنني لا أعفي نفسي من معرفة ما يجري وقراءة ما يكتب، ففي بعض الأحيان تصدر لدى الطرف المعادي كتب غاية في الأهمية والدقة مثل كتاب «عن طريق الخداع» الذي أصدره في أميركا ضابط الموساد المنشق فيكتور اوستروفسكي، لهذا بدأت البحث عن كتاب «انهض واقتل أولاً: التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة في إسرائيل» منذ صدوره عن دار راندوم في نيويورك في الثلاثين من كانون الثاني من العام الحالي. وخاصة وأن مؤلف الكتاب المدعو رونين برغمان، عمل مراسلاً للشؤون العسكرية والاستخباراتية في صحيفة يديعوت أحرونوت وهو في الوقت نفسه كاتب مساهم في مجلة نيويورك تايمز.
صباح البارحة تمكنت أخيراً من الحصول على نص الكتاب كاملاً عن طريق أحد المواقع على الإنترنت فغرقت فيه بالمعنى الدقيق للكلمة. لست أزعم أنني تمكنت من قراءة 784 صفحة بالإنجليزية خلال يوم واحد، فذلك دونه خرط القتاد، أي إنه أصعب من قطف الشوك.
يقع الكتاب في خمسة وثلاثين فصلاً، والحقيقة أن كل ما فعلته هو أنني قرأت الفهرس والمقدمة والفصل الأول، ومع اقتراب موعد كتابة هذا المقال وجدت نفسي بين مستحيلين، المستحيل الأول هو أن أنهي قراءة الكتاب قبل الشروع في الكتابة، والمستحيل الثاني هو أن أتمكن من الكتابة عن أي موضوع آخر، لذا سمحت لنفسي أن أمارس التشفيط أثناء قراءة بقية الفصول مثل أبناء المسؤولين!
من المعروف أن التلمود في الديانة اليهودية يأتي ثانياً من حيث الأهمية بعد التوراة، فالتلمود يتضمن شروحات أحبار اليهود وفقهائهم للتوراة. وقد اقتبس المؤلف رونين برغمان عنوان كتابه من التلمود: «إذا جاء شخص ليقتلك، فانهض واقتله أولاً».
في تقديمه للكتاب يقول برغمان إنه أمضي ثماني سنوات في تأليفه، وإنه أجرى أكثر من ألف مقابلة مع سياسيين وعسكريين وأمنيين، ووضع يده على آلاف الوثائق السرية، ويخلص إلى أن الموساد والشين بيت و(جيش الدفاع الإسرائيلي) قد نفذت أكثر من 2700 عملية اغتيال وتصفية على مدار العقود السبعة الماضية، أهمها تصفية الزعيم ياسر عرفات بتقنية التسميم الإشعاعي.
والحقيقة أن نظرة سريعة على عناوين الفصول كافية لإثارة الفضول: مكتب ترتيب الاجتماعات مع الله/ كما لو أن السماء كانت تسقط على رؤوسنا/ ليس لدي أي مشكلة مع أي شخص قتلته/ التعريف الخاطئ للهدف ليس إخفاقاً/ الموت في معجون الأسنان/ عصبة من الكلاب البرية/ اشتداد العاصفة الخضراء/ عصر الطائرة من دون طيار/ انتقام مغنية/ أحضر لنا رأس عياش/ خبيث كأفعى ساذج كطفل صغير/ تمت تصفية الهدف لكن العملية فشلت/ نجاح تكتيكي مثير للإعجاب، إخفاق إستراتيجي كارثي.
أعتقد أنه من واجبنا ألا نثق بأي شيء يأتينا من أعدائنا لأن «أمن إسرائيل قائم على حِرابها» على حد قول ديفيد بن غوريون. وقد علمتنا التجارب أن حراب إسرائيل قد تأخذ شكل الكتب والأفلام والجرائد والمجلات، لكن هذا لا يعفينا من معرفة ما يفكر به أعداؤنا، فالمفكر الإستراتيجي الصيني العبقري صون تزو الذي توفي عام 496 قبل الميلاد يقول في كتابه (فن الحرب): «اعرف عدوك واعرف نفسك فإذا أخذت بهذا المبدأ وحاربت مئة معركة فلن تكون في خطر».

الوطن


الاثنين 26-11-2018
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق