القائمة البريدية
رأي

ثورة لاحتقار العقل ..الفيلسوف الهولندي سبينوزا يفقد عقله ودينه في الحولة الحمصية .. بقلم : نارام سرجون

  ثورة لاحتقار العقل ..الفيلسوف الهولندي سبينوزا يفقد عقله ودينه في الحولة الحمصية .. بقلم : نارام سرجون
كلما قرأت أخبار مايسمى "الثورة السورية" تذكرت عبارة كان الفيلسوف الهولندي "باروخ سبينوزا" يصر على قولها بأن: "الدين يحتقر العقل .. وأن العقل يحتقر الدين" .. وأنا هنا لست لنقاش ماقاله سبينوزا ولست بصدد تأييده أو رفضه .. بل أريد أن أستعمل هذه المعادلة في وصف علاقة الثورة السورية بالعقل والدين .. وسأصل معكم الى نتيجة تريح العقل والدين معا وتجعلهما متحالفين لأول مرة منذ أن فصلهما سبينوزا وأعلن طلاقهما .. هذه المعادلة الجديدة هي أن الثورة السورية تحتقر العقل والدين معا .. وكذلك فان الدين والعقل معا يحتقران الثورة السورية ..وخطر هذه الثورة على كل المجتمع السوري ودينه وأخلاقه ليس له حدود..

فلم يضعني حدث في حياتي أمام مهمة صعبة أجدها مقدسة وعملا مضيئا يدافع عن أسمى قيمة حضارية وهي "الأخلاق" كما فعلت أحداث ما يسمى بالثورة السورية .. كان من المستحيل على شخص مثلي أن يرفض ثورة للحرية فاذا بي أنتهي الى أنه يستحيل على شخص مثلي أن يقبل بثورة الحرية التي انطلقت في سورية .. وقبل أن نسمع اطلاق الرصاص الغزير على هذه السطور من أنصار الثورة وقصفا من مختلف العيارات والأسلحة فانني أؤكد على أنني لن أتراجع عما أقول ..
وبعد أن يتوقف الرصاص والقصف الكثيف سأكرر وأقول بأنني أعني ماأقول كلمة كلمة .. فمهمة طرد "أخلاق" هذه الثورة ودفعها كل يوم الى الهاوية صارت قضية حضارية وأخلاقية لاتحتمل الجدال .. وبالطبع بعد هذه الزخات من الرصاص سيأخذني المعارضون كالعادة الى زواريب الاتهامات بالعمالة و"تبويس" يد الديكتاتورية لأن المعارضين حبيسون في حارات وزواريب الواهمين المعتقدين أنهم ينجزون عملا مقدسا "حرا" .. ولأنهم أيضا حبيسون في زرائب تقول لهم ان كل شيء "يجوز في سبيل الفوز بالسلطة" ..

وسبب اصراري على هذه القسوة في احتقار أخلاق الثورة هو رؤيتي أن شهوة السلطة بلغت حدا لدى المعارضة أنها تريد السلطة حتى لو اقتضى هذا الأمر اقتلاع أوتاد العقل والدين والأخلاق من المجتمع ..واقتلاع الاستقلال الوطني وبيعه بالتقسيط في اجتماعات الأمم المتحدة وقراراتها .. وكذلك لم يعد يهم هذه المعارضة تجريد المجتمع من أية ضوابط انسانية وايقاع الأخلاقيات البسيطة حتى التصقت بنا صفة الأمم المنافقة وأمم الدجالين بعد أن تعرّف الينا العالم كأمة اتكالية غير منتجة الا للرذيلة والارهاب والتعصب والموت..
فمجزرة الحولة مثلا لاتزال طرية ولايزال الدم يسيل من الأجساد طازجا .. ولكن ورغم انتشار التفاصيل المروعة يقتضي المنطق في هذه اللحظة ألا أوجه الاتهام لأية جهة .. فأنا لست حاضرا مع تحقيقات ومعطيات السلطة السورية .. وأنا كذلك لست من الثوار الذين يتشممون الهواء بحثا عن رائحة قطرة دم ليصوروها لاستدرار العطف ولسؤال المشاهدين باستنكار: أين أنتم ياعرب؟؟!! .. هذا النداء يبدو جليا أنه لاستدراج بسطاء الناس والعرب ودفعهم لخلع أوتاد عقولهم وقلوبهم .. واللحاق بالمجاهدين. لكننا في مهمة لاعادة تثبيت أوتاد الخيام التي يريد مخرجو الثورة نزعها وسندقها بعزم من جديد بمطارق ثقيلة من المنطق والتعقل .. وسنعيد للعقل احترامه وللأخلاق مكانتها وللدين رحمته الذي يريدون اعتقالها لأنهم يعتقدون أنهم يعرفون أكثر مما يعرف ...

فالدين يباهي المتدينون على أنه نهاية وجهة رحلة العقل والأخلاق مهما طالت الرحلة وغامرت في الشك .. ومعنى هذا أنه للوصول الى الدين السليم والى الله يجب الحرص على سلامة العقل والأخلاق ليصلا الى استنتاج الطريق الى الله..وأن ضياع العقلانية والاخلاقيات هي ضياع البوصلة الى الله نفسه ..والثورة التي تحتقر العقل والأخلاق لاعلاقة لها بالله ولاتعرف الطريق اليه .. مهما ركعت هذه الثورة وسجدت فيها القامات والهامات .. ومهما توضأ الاخوان المسلمون من ماء زمزم أو استحموا به وتنشّفوا بأستار الكعبة .. ومهما ادعى القرضاوي وعرعور ولحيدان أنهما يستظلان بكرسي رب العرش العظيم في ملكوت السماء ..لأنه لايمكن لمؤمن أن يكون صاحبا لعرشين ..عرش أميرخليجي وعرش الرب العظيم..
فمنذ الأيام الاولى للأحداث السورية لجأ اعلام الثورة مدججا برأس الميدوسا الاعلامي (الجزيرة) الى أسلوب منحرف عبر عملية تدمير منهجية للعقل والأخلاق في الشرق كله بالتشجيع على ازدهار ثقافة الكذب وتبرير الفوضى واللاأخلاق بحجة أنها الحرب الاعلامية للثورات العربية .. والنتيجة الواضحة لذلك الاستهتار والانحراف الأخلاقي هي تأثر الثقافة الدينية نفسها في الأرياف البسيطة لدى جمهور المعارضة في كل الشرق حيث تحول الدين - الذي لم يعد بذلك محصنا بالعقل والأخلاق التقليدية - الى ديناميت متفجر بلا ضوابط .. وارتدى الدين القنابل والرصاص وصادرته الفتاوى الرخيصة العنيفة ..بعد أن شرد خارج المساجد .. وعندما لايسيج الدين بالعقل والأخلاق فهو مجرد صلاة وصيام وطقوس وشعائر بلا ثواب ولاأجر .. انه مثل بيت فارغ ليس فيه أثاث ولاشبابيك ولاأبواب .. يدخله الجميع ويخربه المتطفلون والخصوم والمهربون والفارون من العدالة..ويسمون ذلك ثورة..وربيعا..متلفعين بصراخ الله أكبر

نحن للأسف أمام حركة ان عاجلا أو آجلا ستدمر المجتمع كله أخلاقيا وتخل بتوازنه الانساني بحجة الظمأ للحرية .. ومجرد بقائها تمارس بهلوانيات اعلامية رخيصة هو تهديد بعيد المدى للأجيال اللاحقة قد لاتكفينا لمعالجته عقود متواصلة ..انها دمرت البنية الأخلاقية للمجتمع وبنيته الدينية وحولت الناس بسرعة فائقة الى أناس مختلفين يمارسون الشذوذ والفساد الثوري بكل اشكاله وانتقلنا من حالة فساد النخب العليا والقيادات في الصفوف الاولى الى فساد الأرياف وتلوثها الأخلاقي بشكل أفقي وعمودي .. فعندما يقبل بعض الناس الريفيين ممارسة الكذب وفبركة الشهادات على الأحداث أمام الكاميرات على نطاق واسع، وعندما يتعلم الناس أن الثورة تحتاج الأكاذيب كي تنتصر، وأن ادعاء الظلم كذبا ليس مفسدة فان هذه الثورة تؤسس لمجتمع منافق أفاق مريض لن ينتج بعد اليوم الا الأمراض .. وعندما يتعلم الناس في صفوف وقواعد المعارضة تبجيل القتل وتبجيل البنادق المهربة والبحث عن مبررات قتل الآخر فاننا نؤسس لانفكاك الحارات عن الحارات وليس المحافظات..ولن تبقى البلاد سواء حكمها حزب البعث أو حزب من أحزاب موزة بنت مسند ..

وفي مجزرة الحولة لاأعرف شخصيا حتى الآن من الفاعل ولكن لن نستعجل الاتهام كما يفعل برهان غليون صاحب السوربون وصاحب (اغتيال العقل) والذي تبين أنه مولع باحتقار العقل .. ولن نجيب الآن على سؤال ملحّ هو من الذي ارتكب مجزرة الحولة؟ رغم تدفق المعلومات التي توثق قطعا لجريمة دير ياسين في سورية فسننتظر انتهاء التحقيق .. ولكن ظهور عدة نسخ من الرواية الثورية تنتشر ويتم تبنيها دون تحقق لما حدث يدل على وجود رواية مثقوبة بشدة ووجود ثقافة كذب منتجة لجمهور صار يتقن فنون لعبة الفبركة والتلذذ بالأكاذيب ودور الضحية ..
لن نعتمد على تناقضات الروايات ولكن الأفلام الهزيلة التي نشرتها الثورة على اليوتيوب التي جاءت بأطفال شهود يتحدثون عن الفظائع وهم يبتسمون كأنهم يتحدثون عن مشهد من مشاهد "افتح ياسمسم" كان مثيرا للتقزز والقرف وكأن العقل الثوري وطب نفس الطفولة الثورية يريد أن يقنعنا بأن أطفال الحولة الذين رأوا الدم يتدفق من أعناق رفاقهم وأعناق الذبائح البشرية لايكونون مصابين بالهلع والصدمة والرجفان والكوابيس .. بل يستطيعون الابتسام للكاميرا وتوجيه رسالة سياسية عالية السقف بعنوان "ارحل" مطابقة لما يقوله مجلس استانبول وهي مفعمة بالسعادة والبراءة كما يكون لقاء الطفل بالدمى ..كما في هذه المشاهد الملقنة للأطفال بشكل واضح:

http://www.youtube.com/watch?feature=endscreen&v=DJhAbaaNGuE&NR=1
http://www.youtube.com/watch?v=_BvrhiSgwwo&feature=related

ثم في مشهد آخر تجتمع نسوة الفجيعة وتحتشدن في غرفة وتتسلل ابتسامات الأطفال في احدى اللقطات (فأطفال الحولة لايبدو عليهم الهلع الطبيعي كما يجب أن يحدث عندما يحسون بهلع الأهل المجتمعين) ..وبين حشد من نساء ملثمات لايبدو لثامهن تدينا ولاخوفا من دولة لأن التعرف عليهن سهل لكنه تخوف من اكتشاف مايخفين من أباطيل اذا ماووجهن بها ..من بينهن تظهر امرأة ملثمة تتحدث عن "شبيحة" اقتحموا البيت وقتلوا من فيه و .. تركوها لنا لتحدثنا .. والمرأة تتحدث ببرودة أعصاب ودون انفعال وبلا دموع ولا حرقة ولاغصة ويذكرّها الحضور بأسماء ضحايا هم أقاربها كما يظهر في المقطع !!.. وتقول ملثمة أخرى يفترض أن الفجيعة تشحنها بشجاعة الكشف عن وجهها والصراخ والدعاء على الدولة كما هو منطقي في ظروف مشحونة كهذه: "ان القتلة من الجيش والشبيحة لأنهم يرتدون بزات عسكرية" ...لأن ارتداء ثياب الجيش دليل ثوري على الانتساب للجيش .. كما أن الجيش يمارس القتل والذبح ثم يترك جثث الضحايا لتدينه وتنتظر الى أن يأتي مقدم معرض الذبائح ويعرض الأطفال الموتى وهو يلقي علينا الدروس والمواعظ في استعراض خسيس مخجل لاستدرار العطف لم تلجأ اليه حتى مصانع انتاج الهولوكوست؟؟:

http://www.youtube.com/watch?v=l2kEdyWNFcE&feature=relmfu
ولكن قبل أن نتهم طرفا - سواء الجيش أو المسلحين - دعونا نعيد للعقل مكانته المهدورة في أزقة الثورة وعقول الثوار الصغيرة وأخلاقهم المقوسة والمنحنية الظهر ..ولنسأل عن بعض الحقائق التي سنوردها ..عل البعض يستعمل عقله ودينه ولايحتقرهما:
لن نذكّر بما وعد به محور الشر المؤيد للمعارضين السوريين من توقعهم بفشل المهمة الأممية لكن لنلاحظ كيف بدت طريقة الاحتفاء و"الابتهاج" بالجريمة واضحة في لغة البيانات الثورية والجزيرة والعربية التي اعتبرتها الدليل الذي انتظرته طويلا لاثبات صوابية نظرها ورؤيتها..

ولن نذكر أن الدولة السورية متضررة من حادث كهذا في توقيت كهذا لكن نلاحظ أيضا تباكي الغرب والدموع الغزيرة وحالة الانفعال والتغطية الكثيفة للحدث مما يدل على أنه كان منتظرا على أحر من الجمر .. فكل مواقع الانترنت الغربية الرسمية تتحدث باسهاب عن الجريمة التي ارتكبتها الحكومة السورية رغم أن الطائرات من غير طيار الاميريكية تقتل في كل غارة على أعراس الأفغان أضعاف هذا الرقم فلا يهتز ضمير بان كيمون ولاتهتز نشرات الأخبار العالمية بالأخبار العاجلة .. فلقد اهتم العالم بأسره بالحدث السوري حتى أن ويليام هيغ رئيس جمعية الصداقة البريطانية الاسرائيلية في مجلس العموم البريطاني والعضو فيها منذ أن كان عمره 15 سنة (والذي يعمل وزيرا لخارجية بريطانية في الأوقات الاضافية) لم يستطع تفويت الفرصة ولا الانتظار وشد الرحال الى موسكو وطالب بجلسة عاجلة لمجلس الأمن ..
ولعل أكثر ماهو جدير بالملاحظة هو أنه بعد أخبار مجزرة الحولة بساعات سارع المجلس الوطني الى تقيؤ أحلامه عبر قيئة من قيئات برهان غليون الذي طلب العون والنجدة من الناتو كما طالب الناتو بقصف مواقع الجيش السوري لأن المجلس الوطني السوري اتهم فورا (على العمياني) الجيش السوري بارتكاب الجريمة .. أما الجنرال مود فلم يحتج الأمر منه سوى نظرة واحدة ليكتشف أن معظم الضحايا سقطوا بشظايا الدبابات فيما لايزال العالم كله منذ عام 2005 لايستطيع تحديد سبب موت الحريري في لبنان أهو من فوق الأرض أم من تحت الأرض ..هل بانتحاري أم بشحنة موقوتة أم صاروخ..رغم عدة لجان تحقيق وكل تقنيات التحليل.
هذا السيناريو يكرر بالضبط ماسبق جلسة مجلس الأمن الدولي عندما رقص الثوار في بابا عمرو وروجوا الأكاذيب عن مذبحة بابا عمرو التي قال فيها خالد أبو صلاح وداني عبد الدايم على البث المباشر أنهما يسيران على أشلاء مئات الضحايا .. وأنهما يتعثران بالجماجم وعيون الضحايا وينزلقان على أمعاء الأطفال في برك الدم اللزج والساخن .. والغاية كانت احراج روسيا والصين لئلا تستخدما الفيتو ..الثوار يقتلون ويقدمون القرابين ويخسرون المقامرات والرصاص والرقص والتفجع..واليوم تبدل الترتيب فتقدمت المجزرة أولا لتبرير طلب اجتماع مجلس الأمن..والبقية معروفة..

منذ قيام الأحداث في سورية والمعارضة لم تترك طريقة للكذب الا واتبعتها لالصاق العنف بالدولة السورية وأنتجت هذه المعارضة كما لايصدق من القصص والفبركات والتمثيليات والمشاهد الغامضة والتحريضية كانت في البداية لاستدراج بسطاء السوريين للعنف الغاضب ثم تحولت لاحقا لاستدراج شباب العرب وتبرير العنف الدولي تجاه الدولة السورية .. لقد كاد الكذب نفسه يخرج على الثوار ليقول لهم: أستحلفكم بالله كفى هذا .. أريد أن أستريح قليلا..ارحموني وارحموا أمي وأبي..
ولكن النتيجة هي ظهور متلازمة مرضية هي نقيض متلازمة ستوكهولم التي فلقنا بها الثورجيون ..وهذه المتلازمة هي الاستمتاع بحالة المازوشية الجماعية والتلذذ بقتل النفس بشكل سادي .. فالمجتمع الذي أنتجته التنسيقيات هو مجتمع خرج تماما من الحالة الطبيعية لأنه صار مشوشا بما أنتج هو نفسه من الأباطيل والأكاذيب والقناعات وثقافة الكذب .. وتم تشويهه بالعنف والدم وقصص ألف ليلة وليلة التي ترويها التنسيقيات والفضائيات ..والمجتمع الذي تم تصنيعه هو مجتمع سيدفع نفسه الى الانتحار الجماعي والى العنف البيني..لامحالة ..ولكنه سيجرف كل المجتمع الى عنفه المريض وشذوذ تصوراته عن الحرية..
وكانت نتيجة ذلك أن صارت الثورة السورية هي الثورة الوحيدة في عيون أبطالها التي لم ترتكب خطأ رغم كل الاشارات من كل من اعتنى بها أنها تبالغ بالعنف .. وارتقت الثورة في خطاب مثقفي الثورة الذين يرصعون أسماءهم بحروف الدكتوراه والبروفيسور والباحث الاستراتيجي والمفكر ... ارتقت الى مرتبة الاله المقدس الذي لايجوز النظر الى عينيه .. وطوال الفترة الماضية حاولت مرة واحدة أن أرصد في مواقع الثورة اعترافا واحدا بخطأ أو اعتذارا من شخص أو ضحية أو قرية فلم أجد .. كل الثورات تعترف بأخطائها وبأن من على الأرض بشر ويخطئون الا الثوار السوريون المقدسون القديسون .. .. ولعل حكاية نسب التفجيرات الكبيرة في كل المدن السورية الى أجهزة المخابرات السورية هي الدليل القاطع على مدى احتقار العقل البشري ولاشك أن تصديقها نجم عن تسفيه لاحدود له لعقول جمهورها .. فمثل هذا التفسير قد يمكن استعماله في تفجير أو اثنين على أساس ان النظام يريد تشويه الثورة .. لكن اللجوء الى هذا التبرير في عشرات التفجيرات لايبدو لائقا بالعقول .. وفيه احتقار صريح للعقل ... فلو عدنا الى سجلات الثورة لوجدنا حسب زعمها أن الدولة السورية قامت بمئات عمليات الاغتيال لكوادرها وضباطها (لأنهم انشقوا) وأساتذتها ونسفت انابيب النفط لخلق الأزمات وحركت الطوائف على الطوائف .. وهي من ارتكب المجازر لتبرير القمع والرد القاسي على الثوار .. بل هي التي دبرت حتى اختطاف المواطنين اللبنانيين ... وبذلك تكون الدولة السورية هي الدولة الاولى في التاريخ التي لجأت الى نسف نفسها وتقطيع اوصالها واشعال النار في ثيابها وتمزيق شرايينها وأوردتها واثارة الفوضى بل وتثير على نفسها أنصارها .. فهل يقول ذلك الا المجانين؟؟!! أليس في من يصدق هذا الكلام شيئا من البلاهة وكثيرا من الغباء ؟؟ هذه ثورة لاتفكر قبل أن تتكلم .. و ثورة لاتفكر بعد أن تتكلم .. ولاتفكر وهي تتكلم .. انها فقط تتكلم ... بلا عقل وبلا دين وبلا أخلاق..لقد اقتلعت أوتاد العقول وانفلتت حبال الأخلاق .. وبات جمهورها على قلته بلا قيود وبلا مأوى..وبلا سياج ..وهو على قلته قد يدمر المجتمع كله..

فالعقل الجمعي للأمة مثل خيمة كبيرة لها أوتاد من الأخلاق والتقاليد .. وهذه الأوتاد أيضا لايثبتها بالخيمة الا جدائل حبال من الثقافة الأصيلة والأعراف الاجتماعية .. وخلخلة الأوتاد والحبال تجعل الخيمة تتراقص كما العقل السكران يتراقص .. وكما أخلاق كل الراكبين في مركب الثورة السورية تتراقص من أردوغان الى أمير قطر الى برهان غليون ..وعزمي بشارة الذي يبدو أنه يتهيأ للظهور وسيطفو من الأعماق ليسبح في مآسي الشرق والعرب والسوريين..وفي دم الجميع
لكننا سندافع عن القيم العليا فهي أهم كنز للمجتمع والتي تحاول هذه العاصفة اقتلاعها والتي هبت علينا من الصحراء ومن مكان "ليس مجهولا" .. "عاصفة الصحراء" المجنونة وهي في طريقها تحاول اقتلاع سلطة سياسية وطموح شعب لكنها لاتمانع في اقتلاع أوتاد العقل البشري وأوتاد الحضارة الانسانية لدى المواطن الشرقي وأوتاد الدين والأعراف والتقاليد التي تربينا عليها في الشرق منذ القديم .. هذه العاصفة تقتلع براءة الناس وصدقهم .. ولذلك فاننا بدفعنا للثورة الى الهاوية انما ندافع عن براءة القرى والريف وعن سلام الظلال تحت شجر البلوط والصفصاف وشجر المشمش في غوطة دمشق ..وعن ابتسامة الرضا لدى الريفي السوري الطيب..الذي لايحب الكذب ولا ممارسة الدجل ولاالشعوذة ..والذي كان يرى الكذب من الكبائر..
انني عندما أتعمق في مأساة المعارضات العربية والسورية تحديدا وأرى امتداد آثارها في الربيع العربي وظلال برنار هنري ليفي فانني أقوم بتعميم معادلة باروخ سبينوزا وأصل الى معادلة أشمل وهي: أن الربيع العربي برمته يحتقر الدين والعقل والأخلاق .. وكذلك فان الدين والعقل والأخلاق يحتقرون هذا الربيع العربي ..

فالربيع العربي هو أكثر الفترات الحديثة في تاريخنا افتقارا للضوء الأخلاقي ولسراج العقل .. فستبقى الأخلاق تنظر الى ثوار ليبيا الهمج بتقزز .. وستبقى أخلاق "الوفاء والصداقة" لأصدقاء الثوار في قطر وتركيا مدعاة للاحتقار والغثيان ودهشة أرسطو واسراعه بالقيام من قبره ليعيد تعليم الأخلاق للبشر ..وسيبقى العقل العربي المتعب مندهشا لفترة طويلة من اسقاط حسني مبارك بثورة تأتي من جديد برجاله أو بسياساته عبر صناديق اقتراع .. كما ستبقى أخلاق استدعاء الجيش الاسرائيلي (بغطاء الناتو) لتحرير الشعب السوري قطعة عفن نتنة لو غرقت في البحر لتحول الى بركة قاذورات هائلة برائحة أنفاس عزمي بشارة وبرهان غليون وبسمة قضماني .. لأن لافرق بين جندي الناتو والجندي الاسرائيلي .. ياأيها المعارضون ..وياأيها الثوار..ان عقولكم وأخلاقكم واسرائيليتكم لاتستحق الا ..الاحتقار ..
 
الاراء المنشورة تعبر عن راي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن راي الموقع



الثلاثاء 29-05-2012
عودة
عودة
طباعة
طباعة
أرسل لصديق
أرسل لصديق


الاسم:
الموضوع:
التعليق: