سياسة

مقابر جماعية في الرقة خلّفها شركاء الموت والخراب

مقابر جماعية في الرقة خلّفها شركاء الموت والخراب
الرقة..
ليست المقابر الجماعية في الرقة من فعل تنظيم «داعش» فقط، إنما تشترك فيها جميع الفصائل والتنظيمات التي تعاقبت على المدينة منذ عام 2013 وحتى اليوم، بدءاً بـ«الجيش الحر» و«جبهة النصرة» وليس انتهاءً بـ«داعش» وقوات الاحتلال الأميركية وحلفائها على الأرض، أي «قوات سوريا الديموقراطية». كانوا جميعاً شركاء في الموت والخراب

أصرّ خليل وبعض أقاربه على دفن جنود الجيش السوري الذين أعدمهم مسلحو «الجيش الحر» و«جبهة النصرة». بلغ عدد الجثامين حينها 12 جثّة، قاموا بدفنها في خندق جماعي قرب مقبرة «تل البيعة»، كان في ذلك مخاطرة كبيرة، إن انكشف أمرهم سيجدون أنفسهم في قبور مجاورة لتلك التي حفروها لدفن الجنود الذين ارتقوا بعدما سلّموا أنفسهم حقناً للدماء، فغدر بهم «الثوار»، وأطلقوا الرصاص عليهم خلال خروجهم من المدينة وفق المبادرة التي رعاها وجهاء من عشيرة العفادلة، إلا أن المسلحين الذين ينحدرون من كتائب خارج الرقة كـ«لواء التوحيد» لم يلتزموا بالميثاق العشائري، وغدروا بالجنود وأطلقوا الرصاص عليهم وهم عُزّل أثناء مغادرتهم المحافظة مع بعض الوسطاء.

مثّلت كتائب «الجيش الحر» بعدد من جثامين الجنود، حيث طافوا بجثة أبو جاسم، المساعد في الأمن العسكري في أرجاء المدينة، وقد كان رأسه مهشماً، إذ رفض الإذعان والاستسلام وبقي يقاوم حتى نفدت ذخيرته، ويُعرف عنه قمعه للتظاهرات قبل سقوط الرقة، وقضى برصاصهم في أحد أبنية الرقة ثم ألقوا به ميتاً من فوق البناء. حاول أهل المساعد أبو جاسم معرفة مصير جثته ومكان قبره، إلا أنهم لم يصلوا إلى نتيجة، وكل ما وصلوا إليه أن جثته دُفنت في بستان الزيتون المجاور لمبنى مديرية الزراعة الجديد قرب حديقة البانوراما عند مدخل مدينة الرقة الغربي، ولكن لا شيء يؤكد ذلك حتى اللحظة إذا لم يعثروا على الجثة. ولا يزال مصير العميد حسن جلالي محافظ الرقة، وسليمان سليمان أمين فرع حزب البعث، وحامية قصر المحافظ مجهولاً، وقد استسلموا دون مقاومة حقناً للدماء عند سقوط المحافظة مقابل الأمان على حياتهم.
لم يكن بوسع أهل الرقة الاعتراض على ما شهدوه، وكان أي اعتراض أو تعاطف سيُتّهم صاحبه بـ«التشبيح» وهذا يعني مقتله فوراً. رُميت الجثث في أنحاء مختلفة في المدينة، إلا أن الأهالي كانوا يسحبونها ليلاً ويقومون بدفنها سراً في ظل انشغال كتائب «الجيش الحر» باقتسام «الغنائم». من قاموا بدفن الجثث لا يزالون على قيد الحياة، وانتسب بعضهم لاحقاً إلى «قوات العشائر»، وقد وثّقوا الجنود الذين دفنوهم بتصويرهم قبل دفن جثثهم في آذار عام 2013. وهم ينتظرون دخول الجيش إلى المدينة حتى يكشفوا أماكن دفنهم.

مقابر «داعش»
لم يكن مسلحو «داعش» يكترثون بحرمة الجثث، وكانوا يعدمون الأسرى بدم بارد، ويقطعون رؤوس جثث الجنود ويمثلون بها، وينقلونها لعرضها في ساحات المدينة وعلى مفارق الطرق، ويمنعون الناس من تحريكها أو نقلها، وتمضي أيام وهي في الشوارع حتى تتفسخ. ليس الجنود وحسب، إنما أخفى مسلحو «داعش» جثث المدنيين الذين اعتقلوا وماتوا في السجون، ولا يعرف الأهالي مصير ذويهم حتى اللحظة. آلاف الجثث تم رميها في الهوتة، شمالي الرقة (راجع الأخبار العدد 2566)، فالطالب الجامعي عبد المحسن القفاف اعتقله مسلحو التنظيم خلال عودته من اللاذقية حيث يدرس في جامعة تشرين، لأنهم وجدوا في هاتفه صورة للرئيس بشار الأسد، وأبلغوا أهله بعد أيام بوفاته، من دون أن يعطوهم جثته، وكذلك شيخ الطريقة الصوفية في محافظة الرقة محمد المغط الذي اعتقله التنظيم، ففارق الحياة تحت التعذيب ولم تظهر جثته حتى اللحظة، والأستاذ محمود الحمادة مدير مدرسة المغلة الصغيرة الذي أعتقلوه بتهمة تأييد النظام ولم يظهر له أثر، والآلاف غيرهم من أبناء الرقة وغيرها من المحافظات والبلدات السورية. كذلك تحولت بحيرة الأسد إلى مقبرة جماعية أيضاً، إذ عمد التنظيم إلى ربط جثث ضحاياه بالحبال وتثقيلها بالحجارة والحديد ثم رميها في البحيرة.
تأثر علي وهو شاب من الرقة، هرب إلى ألمانيا، برؤية جثث الجنود المقطعة، فقرر مع ابن خالته أن ينقل الجثث القريبة من بيته إلى مقبرة تل البيعة ويقوم بدفنها. قبل صلاة الفجر، ركب سيارته وقصد حديقة «باب بغداد» حيث رُميت خمس جثث، حمل الجثث ووضعها في سيارة قريبه «السوزوكي»، ونقلها بمساعدة ابن خالته إلى مقبرة تل البيعة، وقاما بدفنها، رآهما أحد المتعاونين مع التنظيم، ووشى بهما وزوّد عناصر التنظيم برقم السيارة، وألقي القبض على قريبه الذي أُعدم لاحقاً بتهمة دفن «جيف المرتدين»، بينما فرَّ هو إلى ألمانيا.

معركة تدمير المدينة
ما إن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية بدء «تحرير» الرقة، حتى بدأ تنظيم «داعش» بحفر قبور جماعية في المناطق التي يتحصن فيها وسط المدينة، وقد ظهرت هذه الخنادق التي حفرها التنظيم عبر الصور الجوية. وتمكن الرقيّون من تحديد عدة مقابر جماعية رئيسة، أكبرها في ملعب الرشيد المجاور لثانوية الرشيد في شارع المجمع وسط المدينة، وهذه المقبرة أقرب مكان إلى المشفى الوطني حيث كان يتحصن أمراء التنظيم، والمقبرة الثانية في ملعب الأمن السياسي، وهو ملعب شعبي على ضفاف نهر الفرات مقابل لفرع الأمن السياسي سابقاً، إضافة إلى مقبرة الجامع القديم وتقع في حديقته الواسعة، ومقبرة رابعة في جوار السوري الأثري، ومقبرة في حديقة جواد أنزور.
لم يعد بوسع الأهالي التحرك ضمن أحياء المدينة مع بدء العدوان الأميركي، ودفنوا العشرات من أقربائهم الضحايا في حدائق البيوت، والأماكن المكشوفة القريبة منهم، بينما بقيت مئات الجثث تحت الأنقاض لا تجد من ينتشلها. تطوع رجال وشباب من الرقة ممن رفضوا مغادرتها بدفن ضحايا العدوان، ولم يكن التنظيم يُسلّم الجرحى الذين يتم إسعافهم إلى المشفى الوطني، ويختفون هناك بعد أن يتم طرد أهاليهم، ولم يُعرف مصيرهم بعدها. وتشير الدلائل إلى أن التنظيم كان يتخلص من الجثث التي تصله ويكدّسها في البرادات، ويتحيّن الفرصة لترحيلها ودفنها في المقابر الجماعية التي حفرها.
أعلن «مجلس الرقة المدني» التابع للولايات المتحدة الأميركية اكتشاف مقبرة جماعية تحوي نحو 500 جثة أغلبهم من المدنيين، وهذه المقبرة لا تحتاج إلى «اكتشاف بالمصادفة» أثناء عمليات ترميم مبنى المحكمة الملاصق للملعب، كما ادّعى عضو المجلس عبدالله العريان، لأن المقبرة تم تحديدها سابقاً منذ أن لوحظ قيام التنظيم بحفر الخنادق في أرضية الملعب غير المعشبة، إلا أن الإعلان عن الاكتشاف ليس سوى تسويق إعلامي لتسجيله كإنجاز لمصلحة «مجلس الرقة المدني».

تحديد هويات الجثث
ليس من السهل تحديد هويات الجثث التي تم انتشالها، فهذا أمر بغاية الصعوبة، نظراً إلى أسباب تقنية، وأخرى تتعلق بالتركيبة السكانية، إذ إن الرقة في السنوات الأخيرة استقبلت مئات العائلات من محافظات ومناطق أخرى، وحتى من العراق، ولا يزال الآلاف من سكان الرقة الأصليين والوافدين في عداد المفقودين ولا يُعرف مصيرهم، وخاصة أولئك الذين كانوا يقاتلون في صفوف التنظيم ولم يستسلموا، وغيرهم ممن كان يتم إسعافهم إلى المشفى الوطني. عاد آلاف من سكان الرقة إلى المدينة، ونقل من دفنوا ضحاياهم بأنفسهم قبل خروجهم، ويعرفون أين دفنوها، رفات موتاهم من الحفر البدائية إلى مقابر عائلاتهم في تل البيعة، بينما بقيت مئات الجثث لأناس ليسوا من الرقة ولا أهل لهم فيها وليس هناك من ينقلهم من المقابر الجماعية إلى مقبرة المدينة.

مقابر جماعية للجنود
أعلن «مجلس الرقة المدني» عن اكتشاف مقبرة جماعية تضم رفات 82 جندياً، في قرية حلو عبد (نحو 25 كيلومتراً شمالي الرقة)، وتعود الجثث إلى جنود الجيش السوري، وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء الجنود هم من ضحايا تنظيم «داعش»، ممن قضوا خلال انسحابهم من «الفرقة 17» خلال اقتحامها من قبل عناصر التنظيم، الذي لاحق الجنود الفارين عبر الصحراء والمصارف المائية الزراعية. كذلك، اكتشف الجيش السوري ست مقابر جماعية في صحراء الرقة جنوبي وغربي مطار الطبقة العسكري، ضمّت رفات مئات الجنود من حامية مطار الطبقة العسكري، وقد استدلّ الجنود على أماكن دفن رفاقهم من الأهالي الذين كانوا يتسللون ليلاً إلى البادية، ويقومون بدفن الجثث تحت جنح الظلام خوفاً من انتقام عناصر تنظيم «داعش»، وكان آخرها في قرية الواوي، وبذلك يكون مجموع الجثامين المكتشفة بحدود 286. وأكد الدكتور جمال العيسى نقيب أطباء الرقة الذي يتابع في مشفى حلب العسكري وصول رفات الجنود من الرقة إلى حلب، «أن الطبابة الشرعية تمكنت من تحديد هوية ستة جنود من المقبرة الأخيرة وثلاثة ضباط دون معرفة هويتهم».

الاخبار


الخميس 31-05-2018
جميع الحقوق محفوظة لوكالة الأنباء شام برس © 2009
www.champress.net