سياسة

«مؤتمر سوتشي»: قطار التسوية بمن حَضَر!

 «مؤتمر سوتشي»: قطار التسوية بمن حَضَر!
سوتشي..
تصلح رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمؤتمرين في مدينة سوتشي أمس، لتكون اختصاراً لمسارٍ عسكري ــ سياسي طويل، توَّجَه مؤتمر «الحوار الوطني السوري» بعد سنوات دامية من الحرب في سوريا، وعليها. «توجد الآن كل الظروف الملائمة للتسوية»، قال بوتين على لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف، «لقد حان موعد التسوية الشاملة بناءً على القرار الدولي 2254».
رسم مؤتمر سوتشي أمس طريقاً سياسياً جديداً يضاف إلى مسار أستانا العسكري. على الرغم من الضغوط الخارجية الأميركية والأوروبية، استطاع الروس ضمان حضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، الذي تقول مصادر إن اعتراضه جاء نتيجة لاعتراض وفد المعارضة وضغوطها، وحتى ينال مساحة أكبر في اللجان من ممثلي الدولة السورية والفعاليات المحسوبة على النظام. وعلى الرغم من تأكيد الروس أن «سوتشي» ليس بديلاً من «جنيف»، إلّا أن المؤتمر كرّس أمراً واقعاً، واضعاً جميع القوى تحت ضغط الحوار والوصول إلى حل سياسي، بما فيها الدولة السورية، التي تتمسّك بقوة بوجهة نظرها، مستندة إلى جملة إنجازات ميدانية عسكرية، وإلى إفلاس قوى المعارضة سياسياً وعسكرياً.
وتقول مصادر سوريّة مطّلعة إن الأميركيين يعارضون الآن، لكنهم سيلتحقون لاحقاً بالحلّ عندما يشعرون أنه ناضج، وما حصل أمس هو تحديد الحدّ الأدنى الأول من التفاهم عبر تشكيل تحالف رباعي معارض من رندا قسيس وقدري جميل وهيثم مناع وأحمد الجربا. والأخير، يعكس دعماً مصرياً وعدم معارضة سعودية للمؤتمر. والجربا، أمس، ألغى مؤتمره الصحافي الذي كان محدداً عند الساعة الثالثة والنصف، ثم عند الساعة السادسة مساءً، اعتراضاً على عدم نيله الحصص اللازمة من عدد المشاركين المحسوبين عليه في اللجان.
المبعوث الأممي تخلّف عن إلقاء كلمته التي كان من المفترض أن تلي كلمة بوتين. ربّما لأجل اعتراضاته، تأجّل المؤتمر... وتكتّم الروس. تَغَنَّج دي مستورا، لكنّه حضر، مضفياً الشرعية الأممية «المطلوبة» على مؤتمر الحوار السوري الأول. وسبقه بـ«الدلع» بضع عشرات من ممثّلي «فصائل اسطنبول»، الذين، على ما قالوا، فوجئوا في مطار سوتشي بطغيان العلم السوري على شعار المؤتمر، مع أن الدعوات وجّهت قبل ذلك بكثير، والعلم السوري منذ البدء لم يغب عن المشهد. في المحصّلة، عبّر هؤلاء عن المهم، على لسان ما يسمّى «رئيس الحكومة المؤقتة» السابق، أحمد طعمة: تركيا تمثّلنا. ربّما كان على الحكومة السورية مفاوضة الأتراك مباشرةً، وأن توفّر روسيا ثمن بطاقات الطائرات لهؤلاء وحجوزات الفنادق، طالما أن أي دبلوماسي تركي يمثّلهم... أو أي ضابط في المخابرات التركية. وعدا عمّا قاله وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، عن تمثيل تركيا لبعض المعارضين، قال مصدر دبلوماسي إيراني رفيع المستوى لـ«الأخبار» إنه «لم يعد مهمّاً إن لم يحضر هؤلاء. كان من الجيّد أن يحضروا، لكنّهم قرّروا أن يسجّلوا موقفاً دعائياً، المهم أن دي مستورا حضر وتركيا شاركت في رعاية المؤتمر».

لجان المؤتمر
تشكّلت أربع لجان في خلال المؤتمر: لجنة مناقشة الإصلاحات الدستورية، لجنة متابعة المؤتمر، لجنة التصويت ولجنة التنظيم. اللجنتان اللتان ستستمران هما لجنة مناقشة الإصلاحات الدستورية ولجنة المتابعة، وتمّ الاتفاق على ذلك في أربع جلسات، تخللتها خلافات حول الحصص، إذ طرحت أسماء من خارج سوريا، وقيل إن أسماءً من داخل سوريا منعها النظام من الحضور، ومنهم ثلاثون شخصاً محسوبون على أمين «حزب الإرادة الشعبية» قدري جميل. وتوقّعت مصادر أممية شاركت سابقاً في «أستانا» أن يكون هذا المؤتمر بداية مؤتمرات للحوار، مشيرة إليه على أنه «سوتشي واحد». وقالت المصادر إن «الحكومة السورية لا يمكنها العودة إلى ما قبل 2011، لكن هذا المؤتمر يعدّ انتصاراً لها وكذلك انتصاراً لروسيا».
وبينما أكدت مصادر مطلعة أن «هناك تعويلاً كبيراً على دور العشائر من قبل الدولة السورية لإعادة لملمة أبنائها في الفصائل المسلحة وفي التنظيمات الإرهابية، ولاحقاً في مواجهة مشروع الانفصال الكردي»، قال الشيخ حسن المسلط، شيخ عشيرة الجبور، لـ«الأخبار»: «لا مشكلة لدينا في محاورة أيّ شخصية معارضة. أما الوجود الأميركي في الحسكة فاحتلال صريح لا نقبل به، ويجب أن يزول. كل جهد يدعم التسوية السياسية في سوريا وحقن الدماء نحن معه». الهجوم على الدور الأميركي حضر أيضاً على لسان قدري جميل، الذي قال إن «الأميركيين لا يريدون إنهاء الأزمة، بل يريدون استدامة الصراع من أجل انتشاره في كل المنطقة، ويريدون من خلال هذه الفوضى الخلاقة إعادة رسم خرائط المنطقة كلها».

وينتظر أن يتركز الجدل المقبل في اللجنة الدستورية؛ فالمعارضة تريد لامركزية موسعة، بينما تقبل الدولة بلامركزية مضبوطة. وهناك خلاف خفي، وفق المعلومات، حول تفاصيل اللامركزية، وهي نوقشت قبل المؤتمر بأشهر في الكواليس. بالأمس قال هيثم مناع إنه لم يعد منطقياً أن يبقى محافظ يعيّنه المركز، أي دمشق، ليحكم الحسكة وهو من درعا. الدولة ترى عكس ذلك. ووفق المعلومات، فإن الاتفاق في الكواليس يقضي بأن أحد انعكاسات مؤتمر سوتشي سيكون العمل على انتخابات محليّة في المناطق، وانتخاب مجلس المحافظة، من دون أن تقبل دمشق بأن يتمّ انتخاب المحافظين، حيث يبقى تعيين المحافظ بيدها. ومطلب دمشق ليس سوى انعكاس لانتصار المركز العسكري، وهذا بحسب المادة 107 من الدستور السوري يأتي عبر تعزيز صلاحيات البلديات ولجان المحافظات، وهذا أقل من «الفيدرالية» بدرجتين، ولكنه يبقي سلطة الدولة متوازنة مع السلطة المحليّة. ويراهن الروس والسوريون على أن يقبل الأميركيون لاحقاً بهذا الطرح. وفي مؤتمر صحافي، أكد عضو مجلس الشعب السوري، أحمد الكزبري، أن اللجنة الدستورية مهمتها نقاش الدستور الحالي وليس وضع دستور جديد، موضحاً أن أعضاء اللجنة سيتناقشون لتقديم مقترحات إلى رئاسة المؤتمر لاحقاً. وشدد على أن إجراء أي تعديلات على الدستور الحالي يتم إما بتشكيل لجنة من قبل السلطة التشريعية (مجلس الشعب) أو عن طريق مرسوم رئاسي.

الاخبار- فراس الشوفي


الاربعاء 31-01-2018
جميع الحقوق محفوظة لوكالة الأنباء شام برس © 2009
www.champress.net