القائمة البريدية
رأي

ما بعد الإمبريالية .. بقلم : بثينة شعبان

 ما بعد الإمبريالية .. بقلم : بثينة شعبان
أن يقف وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ليقول إنّ أولوية الولايات المتحدة لم تعد محاربة الإرهاب، بل منافسة القوى العظمى، ويعبّر عن قلقه من أن التفوق العسكري الأميركي يتلاشى، فهذا تصريح مهم للحظة سياسية مهمة، لا بدّ من التوقف عندها والتأمل مليّاً بمندرجاتها، وأسبابها، وانعكاساتها.
وأن يرد عليه وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف بأن "الاستقرار الاستراتيجي لا يتحقق إلا بالتعاون مع  روسيا، والصين"، فهذا جواب مهم جداً لا بدّ وأن نحلّل أيضاً متطلبات تحقيقه في ظلّ الموقف الأميركي المناقض تماماً لتطلعات الشعوب بالسلام، والاستقرار، والأمن، والازدهار.
أن يصدر التصريح عن ماتيس وليس عن ترامب، فهذا مهم أيضاً كي لا يتمّ تصنيف هذا التصريح على أنه جزء من هذيان ترامب، وجنونه الشخصي المعتاد بل من مسؤول أميركي يتربّع على قمة المواجهة العلنية للحكومة العميقة التي تحكم فعلياً الولايات المتحدة، والتي تمثل مصالح النخبة المالكة لأكثر من 85% من الثروة في الولايات المتحدة.
يعرف الباحثون المختصون في الشأن الأميركي، أنّ أولوية الأولويات بالنسبة إلى هذه النخبة المالكة في الولايات المتحدة، هي أن تبقى قطباً واحداً مهيمناً اقتصادياً، وعسكرياً، وسياسياً، في العالم وألا تسمح لأي قوة أخرى أن تشكّل قطباً آخر في هذا العالم، كي تنهب ثروات الشعوب كما فعلت قبلها القوى الاستعمارية، ومن هنا انطلقت كلّ محاولات وخطط الولايات المتحدة الاستخبارية وغيرها على مدى عقود إلى أن تمّ تقويض الاتحاد السوفياتي في العقد الأخير من القرن الماضي.
وبعد أن انفردت الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم ومؤسساته، ومصادر ثرواته، وأممه المتحدة على مدى عقدين ونيّف، فإنها لا تريد لهذا الواقع أن يتغيّر مهما بلغت الأثمان، ولذلك فإن الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة على أفغانستان، والعراق وليبيا وسوريا ومؤخراً على اليمن، لم تكن تهدف إلى محاربة الإرهاب أصلاً، فالولايات المتحدة هي من اخترعته، وأنشأت منظماته، ودرّبتها، وسلّحتها، وموّلتها عن طريق أتباعها حكّام السعودية، ورجال الأعمال الإسلاميين.
بل كانت الولايات المتحدة تهدف بذلك إلى نشر الإرهاب، وتقويض الخطوات الصاعدة لروسيا والصين، اللتين بدأتا ترتقيان على سلّم القطب العالمي الجديد. ومن هنا فإنّ تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ "محاربة الإرهاب في سوريا هي دفاع عن موسكو"، تصريح ثاقب ودقيق يستشفّ الهدف النهائي للحرب الإرهابية الأميركية على العرب، وحليفتهم إيران، وكذلك فإنّ موقف طهران يعتمد على أنّ الدفاع عن سوريا في مواجهة الإرهاب، هو دفاع عن إيران، وهو موقف دقيق أيضاً، وسليم سياسياً واستراتيجياً، فضلاً عن الصداقة التاريخية بين الدولتين، والشعبين.
لكن ورغم كلّ جهودهم لإسقاط الدولة السورية، وتفكيك محور المقاومة، وتقسيم العراق من خلال خلق كيان كردي في شمال العراق فقد مُنيت جهودهم بالفشل بفضل تضحيات الجيش السوري، وقواته الرديفة، وثبات الحلفاء مع هذا الموقف سياسياً، وعسكرياً، الأمر الذي اضطُرّ الحكومة العميقة في الولايات المتحدة إلى البحث عن السيناريو البديل.
وفي البحث عن هذا السيناريو البديل لديهما أولويتان: الأولى هي كبح جماح أي قطب صاعد جديد بأي طريقة، ولا سيما من خلال العمل الإرهابي الاستخباري، والثانية هي تنشيط عجلة الاقتصاد الأميركي ليبقى القاطرة التي تسحب الاقتصاد العالمي فتتراكم المزيد من ثروات الشعوب لدى النخبة المالكة في الولايات المتحدة مستخدمة حكومتها العميقة.
تصريح وزير الدفاع الأميركي الصاخب ضد روسيا والصين، يعبّر عن مدى قلق هذه النخبة وحكومتها العميقة بأنّ هذا القطب الروسي الصيني، أصبح أمراً واقعاً، وتصريحه أن التفوق العسكري الأميركي يتلاشى هو تعبير عن الشعور بأزمة اقتصادية عميقة سببها عدم وجود حروب كافية كي تبقى الصناعات العسكرية الأميركية نشطة، ومدرّة للأرباح العالية التي تشكّل اليوم القاطرة الأولى للاقتصاد الأميركي.
لقد اعتمد الاقتصاد الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية بشكل أساسي على نمو الصناعات العسكرية على حساب الصناعات والقطاعات الاقتصادية الأخرى فأصبحت العمود الفقري لهذا الاقتصاد بعد أن ضمّت المؤسسات الإعلامية، والمالية إليها. وهذه الصناعات بحاجة ماسّة إلى حروب جديدة متواصلة، كي يشتري الجيش الأميركي وجيوش الدول التابعة للولايات المتحدة منتجات هذه الصناعة، ويستولي على موارد جديدة تغذّي بدورها مالكي هذه الصناعات الدموية.
ولذلك فإن عدم وجود حروب كبيرة ومتواصلة يعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ليس فقط تلاشي تفوقها العسكري وإنما أيضاً الركود الاقتصادي. وقد حاولوا معالجة هذا الركود من خلال سرقة آلاف الأطنان من الذهب العراقي والليبي، ونهب أكثر من 800 مليار دولار من العراق لا أحد يعلم منتهاها، وأخذ ترامب أكثر من 500 مليار دولار كجزية من السعودية مؤخراً لقاء بقاء حكامها في السلطة.
كل هذا لن ينعش الصناعة العسكرية الأميركية، ويخلق دورة في الاقتصاد إذا لم تكن هناك حروب كبرى متواصلة في العالم تسمح للجيش الأميركي بشراء الأسلحة ودفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام.
ولهذا فإن ردّ الوزير لافروف على وزير الدفاع الأميركي أنّ الاستقرار الاستراتيجي لا يتحقق إلا بالتعاون مع روسيا والصين هو ردّ آتٍ من كوكب آخر لا علاقة له بالمشكلة البنيوية التي يعاني منها اقتصاد ما بعد الإمبريالية في الولايات المتحدة اليوم، والتي لا يمكن حلّها إلا من خلال اختلاق متواصل لحروب كبرى لتشغيل مصانع السلاح الأميركية. هذه هي الأزمة البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي، والتي تمتد ظلالها إلى معظم اقتصادات العالم، ومصيبة البشرية اليوم هي أنّ اقتصاد أقوى دولة في العالم بُني على أساس صناعة دموية تدميرية، واختلاق الحروب في العالم كي تحتفظ أميركا بقوتها الاقتصادية.
ما هي الخيارات التي سوف يتخدها أصحاب المال، وشركات السلاح لإنقاذ أنفسهم حتى وإن تمّ تدمير ربع البشرية في الوقت ذاته، لا أحد يعلم اليوم.
 
الميادين


الاثنين 22-01-2018
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق