القائمة البريدية
سياسة

"إسرائيل" تهاجم حَضَر: المنطقة العازلة لن تكتمل

"إسرائيل" تهاجم حَضَر: المنطقة العازلة لن تكتمل
بيروت..
لا تَمَلّ إسرائيل من محاولات قلب معادلة التفوّق التي ثبّتها الجيش السوري وحلفاؤه في الجنوب السوري طوال السنوات الماضية، ضد المجموعات الإرهابية المسلّحة بمختلف تصنيفاتها. منذ عام 2014، ترجم السوريون الغلبة العسكرية توسيعاً لرقعة سيطرة الجيش وتفكيكاً للبيئة التي احتضنت المسلّحين في بداية الحرب، عبر المصالحات وإعادة التواصل بين الدولة وغالبية الفعاليات المحليّة في القرى التي لا تزال تحتلها الجماعات الإرهابية.
إلّا أن امتلاك دمشق لليد العليا في الجنوب، ميدانيّاً وشعبياً، ثُبِّت سياسياً في اتفاق «خفض التصعيد»، الذي نتج بعد المفاوضات الروسية ــ الأميركية في تموز الماضي، تاركاً إسرائيل خاسراً وحيداً في الاتفاق، قياساً إلى الطموحات الإسرائيلية، التي رفع سقفها قادة العدوّ في القنيطرة ودرعا، وصولاً إلى السويداء والبادية السورية.
وفيما تُرك الإرهابيون لمصيرهم بعد الانكفاء الأردني الكبير، رفعت إسرائيل من منسوب تزويد هذه الجماعات بالسلاح والمال والدعم اللوجستي، بغية تحقيق مصالحها المتمثّلة في إبعاد الجيش وحلفائه عن الحدود مع الجولان المحتلّ، ومحاولة فرض ما عجزت عنه مع حلفائها الخليجيين والغربيين في غرفة «الموك» طوال السنوات الماضية.
ولم يكن هجوم الإرهابيين أمس على بلدة حَضَر في ريف القنيطرة الشمالي، المنسّق والمُعدّ إسرائيليّاً، مفاجئاً. فشعبة الاستخبارات العسكرية السورية والأجهزة الأمنية العاملة في الجنوب كانت تتابع عن كثب تحضيرات إسرائيل والمجموعات التابعة لها في القنيطرة، خلال الأسابيع الماضية، للهجوم على حضر، الذي حقّق تقدّماً محدوداً في بدايته بفعل استخدام آلية مفخخة يقودها انتحاري، ومن زاوية «ميتة» ملاصقة للشريط مع الجولان المحتلّ، قبل أن يمتصّ الجيش وحلفاؤه موجة الهجوم الأولى ويستعيد غالبية النقاط التي خسرها قبيل ظهر يوم أمس.

الأهداف الإسرائيلية
يمكن القول إن الهجوم على حضر لو نجح، لكان حقّق جملة من الأهداف التي تستميت إسرائيل لتحقيقها في الميدان والسياسة، مع الأخذ بعين الاعتبار الحذر الإسرائيلي من الانغماس في المستنقع السوري بشكل مباشر.
أوّلاً، تحتاج الجماعات المسلّحة إلى انتصار عسكري ما، في ظلّ الإحباط الذي يعاني منه قادتها، جراء الشحّ المالي والصراعات القاتلة في ما بينها، والهوة بين قادة المجموعات الإرهابية والوفد الذي يشارك في مفاوضات أستانا، وقريباً في مفاوضات مدينة سوتشي الروسية (حتى الآن فشل ما يسمّى مؤتمر حوران في توحيد الفصائل)، فضلاً عن الاغتيالات اليومية بالعبوات والرصاص، التي يتعرّض لها قادة الإرهابيين وضياع دم القتلى «بين القبائل»، وعجز ما يسمّى «دار العدل» عن ضبط الوضع الأمني في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون.
ثانياً، الهجوم على حضر يجمّد هجوم الجيش على بيت جن ومزرعة بيت جن، الذي بدأ قبل نحو شهر، ونجح في فصل جبل الشيخ عن القنيطرة، فيما وضع المسلّحون هدفاً معلناً لعملية أمس، بإعادة وصل بيت جن بالقنيطرة وفكّ الحصار عنها، وهي التي بات قادة المسلحين فيها، على مختلف انتماءاتهم، يعملون بشكل علني مع شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وقيادة الفرقة 210 في الجولان المحتلّ.
ثالثاً، لا تزال حضر، إلى جانب مدينتي البعث وخان أرنبة، الفجوة الوحيدة التي تقع تحت سيطرة الجيش، على طول الشريط الملاصق للجولان المحتلّ والممتد من بيت جن على السفح الشرقي لجبل الشيخ حتى مدينة الرفيد غرب درعا (عدا عن منطقة حوض اليرموك التي تسيطر عليها عصابات «داعش»). وبالتالي، فإن السيطرة على حضر تسمح لإسرائيل بتشكيل المرحلة الأولى من الشريط العازل الذي تطمح إليه، بعد فشل إقناع الروس والأميركيين بالضغط على الجيش وحلفائه بالابتعاد عن الحدود مسافة 40 كلم، علماً بأن إسرائيل لا تزال تمارس ضغوطها الدبلوماسية على دول أوروبا الغربية لمساعدتها في نيل هذا المطلب، في مقابل تهديدها بالحرب، مستخدمةً ذريعة وجود حزب الله والحرس الثوري الإيراني على مقربة من الحدود.
رابعاً، والأهم، وهو أن إسرائيل لا تستهدف حضر فحسب، بل تحريك «الملفّ الدرزي» بشكل عام، في سياق عملها الدؤوب لتفكيك بنية المجتمع السوري وامتداداته اللبنانية والفلسطينية؛ فإسرائيل تعمل منذ سنوات على قاعدة «العصا والجزرة» مع حضر، أي إنها تهدّد حضر بالإرهابيين ثمّ تطرح جيشها كحامٍ للبلدة الملاصقة لقرى الجولان المحتلّ: مجدل شمس، بقعاثا، عين قنيا ومسعدة، التي تسعى إسرائيل إلى دفعها أيضاً إلى التخلّي عن الهويّة السورية والانخراط في مؤسسات الكيان المحتلّ، عبر الانتخابات المحليّة والخدمة المدنية والعسكرية في جيش الاحتلال وجهاز الشرطة، بما يمهّد للسيطرة القانونية على الجولان المحتل واستخدام أوراق القوّة هذه في أي مفاوضات مقبلة مع سوريا. وقد سمع أهالي حضر ومشايخها صراحةً من «أدوات» إسرائيل في فلسطين المحتلّة، لا سيّما وزير الاتصالات في حكومة بنيامين نتنياهو أيوب قرّة والشيخ موفّق طريف، بالعروض الإسرائيلية «المغرية»، والتي تتضمّن نقل الشريط الحدودي مع الأراضي المحتلة من خلف حضر إلى أمامها، وضمّها إلى الجولان المحتلّ.
وبينما تهوّل إسرائيل بنيّتها مدّ المنطقة العازلة في الجنوب السوري حتى السويداء، يعمل قرّة وطريف على فتح خطوط اتصال بفعاليات ومشايخ دروز لإغرائهم بالعمل لمصلحة إسرائيل، والتمرّد على الدولة السورية، بعد أن فشلت «الخلايا الأمنية» العاملة لحساب إسرائيل في السويداء في تخريب أمن المحافظة وإحداث فتنة بين الدولة السورية والأهالي. وكان ردّ أهالي حضر واضحاً بالتأكيد على انتمائهم لسوريا ووقوفهم إلى جانب الجيش والقيادة السورية، لتدفع حضر ضريبة هذا الموقف أكثر من مئة شهيد طوال سنوات الحرب.

تفاصيل الهجوم
عند الساعة الخامسة والنصف من فجر أمس، بدأت المجموعات الإرهابية هجوماً عنيفاً على حضر، بقيادة غرفتي عمليات «جيش محمد» بقيادة «جبهة النصرة» و«جبل الشيخ» بقيادة فصائل من «الجيش الحرّ» على رأسها «جبهة ثوّار سوريا»، بهدف معلن هو «فكّ الحصار عن حرمون». وانطلق الهجوم من ثلاثة محاور: الأوّل من شمال غرب البلدة، حيث انطلق المسلّحون من «تلة البلاطة الصفرة» الملاصقة لمراصد العدو الإسرائيلي على سفح جبل الشيخ باتجاه موقع «تل قرص النفل» (لا يُعدّ الموقع خط تماس مع الجماعات المسلحة، بل يتداخل مباشرة مع الأراضي المحتلة)، المحور الثاني من شرق البلدة عبر تل أحمر الشمالي باتجاه «تلة الهرة»، والمحور الثالث وهدفه المشاغلة، من جنوب البلدة عبر موقع «الدلافة» في الأحراج الفاصلة بين حضر وجباتا الخشب. وبالتزامن مع الهجوم العنيف، تسللت عربة مفخخة يقودها انتحاري (أبو عبد الرحمن ــ بيت جن) من نقطة تحتلها الجماعات الإرهابية وكانت تتبع لقوات «الأندوف»، عبر طريق ترابي من شمال شرق حضر، وانفجرت في الحي الشمالي، مخلّفةً 9 شهداء وعدداً كبيراً من الجرحى. ولم يعد خافياً استخدام إسرائيل للأراضي المحتلّة لنقل الإرهابيين من جنوب حضر إلى النقاط المقابلة لها، وسجّل خلال الأسابيع الماضية أكثر من حادثة، أولاها نقل مجموعة كبيرة من المسلّحين قبل نحو أسبوعين للمشاركة في معارك جبل الشيخ، عبر معبر بير عجم، وتكرّر الأمر قبل أيام عبر إدخال حوالى 130 مسلّحاً من المعبر ذاته، تمركزوا شمال حضر، استعداداً للهجوم، فضلاً عن الاجتماعات التي عقدها قادة المسلحين مع ضباط جيش الاحتلال في مرصد جبل الشيخ خلال هذا الأسبوع، لا سيّما العميل إياد كمال، الملقّب بمورو، والذي استحصل على كميات كبيرة من السلاح من الاحتلال الأسبوع الماضي.
ومع ساعات الظهر، كان الجيش واللجان الشعبية ومجموعات «نسور الزوبعة» التابعة للحزب السوري القومي الاجتماعي ومجموعات من «سرايا التوحيد» (التابعة لحزب التوحيد العربي برئاسة الوزير السابق وئام وهّاب) والدفاع الوطني، قد تمكّنت من امتصاص الهجوم، واستعادت غالبية النقاط التي خسرتها، عدا «تلة الهرّة» التي استمرت الاشتباكات فيها حتى ساعات متأخرة. وفيما انخفضت وتيرة المعارك، لم ينته وجود مؤشّرات على نيّة المسلحين تكرار الهجوم، خصوصاً بعد وصول مجموعات إرهابية أخرى للمشاركة في الهجوم، من خارج غرفتي العمليّات، مثل «فرقة أحرار نوى» و«جند الأقصى/ اليادودة»، ومسلّحين من طفس والمزيريب وتل شهاب، بقيادة «الأمير العسكري» الإرهابي أبو حذافة الحمصي إلى منطقة «مثلث الموت» القريبة من المعارك. في المقابل، حشد الجيش قوّات إضافية من الفرقة الرابعة وفوج الجولان ومجموعات من «نسور الزوبعة» و«الحرس القومي العربي»، فضلاً عن مجموعات أخرى من السويداء وجرمانا وصحنايا.

الاخبار


السبت 04-11-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق