القائمة البريدية
رأي

نيويورك كمان مرّة .. بقلم : عناية جابر

 نيويورك كمان مرّة .. بقلم : عناية جابر

إنني حريصة حين أكون في أميركا، على كيفيّة تظهير بلدي بشكل فائق الرّقة أمام الغرباء والجيران
يُبادرك الأميركي، أو الأميركية، - أنت الغريب العربي وهو يعلم ذلك – بكلمة " الله يحميك" في حال داهمك سُعال ما، أو " عطست " أو " تشردقت" إن صودف وجوده بقربك، في ما هو لا يُبالي في الحقيقة، إن دكّت طائراته وقوّضت وأزهقت أرواح آمنين أبرياء، أطفال وسواهم في عالمك العربي.
طرتُ منذ أيام إلى أميركا، مُثقلة كما في كل مرّة، بعتب من نوع خاص على أميركا، على ناسها أعني: كيف يتأتّى لهم النوم وقد أغرقوا العالم بالدم ؟
السفر إلى أميركا في عهد ترامب، لا يُشبه في حال، السفر إليها في غير عهده.
الأمر على الأرض لايمكن لمسُهُ أو الدلالة عليه، لكنه الإحساس، إحساسي أنا تحديداً، بأن ترامب يُراقبني شخصياً، ولا يكفّ عن مرافقتي إلى أيّ مكان أذهبُ إليه.
الغَسَق النيويوركي نفسهُ. أتّصل بالبيت أسألهم ألاّ ينتظرونني على العشاء وأنني أعود مُتأخّرة.
موسيقيون على زاوية الشارع يتدرّبون على لحن " سينت لوسي بلوز" من دون الإستعانة بأيّة نوتة مكتوبة أمامهم. الموسيقى المُرتبكة بداية، تنّز من عرق الإسفلت وتصعد إلى رأسي وتغّل في شراييني. نيويورك مُذهلة في الليل، حين يبدو كل عابر يُطبّق أسلوبه الخاص في الحب وفي اليأس.أرى إلى العابر إن كان عاشقاً أو يائساً من خلال مشيه المُتأنّي أو هرولته.
ترى انفعالاتهم على وجوههم، كما ترى إلى اللحم الرقيق، الوردي، يخوض في هذه الحانة وتلك طلباً للرفقة، وأنا غريبة بين غرباء، أسمع مع الموسيقى صوت تهشّم أجساد اليمنيين، آلاف اليمنيين بسبب تلك الحرب التي يُباركها ترامب. أسمع صوت العالم المريض، وأخشى أنني لم أعرف قبلاً أن عالماً بأكمله يمكنه أن يمرض.
صباح نيويورك برّاق ونَضِر، وجميع الغيوم وإن رمادية، مغسولة ومُلمّعة. أتجوّل بلا هدف، لا أسرار تُخفيها عنك نيويورك فأروح أتملّى صالات العروض السينمائية، المتاجر، المطاعم، تسكنني أصوات فاتِنة لا أعرف مصدرها لكنها تحدثُ في صدري.
على الممشى الجانبي لوول ستريت هناك "أكشاك" أو مناصب للصحف. صورة ترامب في الصفحات الأولى، والعناوين الرئيسية طازجة بأخبار كوريا الشمالية وصواريخها وإيران واتفاقها النووي.
الناس لا يدوس بعضهم بعضاً كما في بلداننا، بل يتوجهّون بتؤدة يائسة نحو القطار النفقي. أسير على جسر بروكلين، مُحاطة بسور من الفولاذ والإسمنت. الرصيف يزداد صلابة كلما أوغلتُ. العالم الرقمي ينهشني من الداخل، ولا رفّة حنان. يُصادرني الحديد، وقريباً لن أحتاج إلى إسم. أنا هنا رقم ككل هذه الأرقام.
البرجان لم يعودا، ارتفع مكانهما بناء يمكنه أن يعفيني من التذكّر والإدانة .
نيويورك بالنسبة لي، تكون جميلة حين تبدأ جلبة الشتاء. حياتها الخاصّة تُعاش على شكل تحدّي الطبيعة، الكهرباء، الشوارع، جدران البيوت المانعة للصوت، الحشد الذي يتحرّك ككتلة واحدة، وكل فرد من القطيع الهائل تقوده الوحشة إلى العمل.
أحبّ أن أتوّقف قليلاً أحياناً، وأخطب بالمهرولين: إنكم تجلبون الدمار إلى عالمكم، وقريباً تجلسون فوق خرائب مدنكم العالمية المُدّخنة، وأولهّا نيويورككم هذه!!
أعود إلى البيت بعد زيارة متحف الفن المُعاصر: ماتيس، براك، بيكاسو، ميرو، دالي، وأرنست ، في تلك الضربات للريشة التي تبعث على متعة جنونية.
ما الذي سيفعلهُ ترامب بأميركا العظيمة هذه؟ يظلّ يتردّد السؤال في رأسي، ليس على شكل سؤال عقلاني أو بلاغي صرف، بل كمتضرّرة في بلدي وفي روحي التي تُحبّ الجمال.
في تصريحاته النووية التي سبقت زيارتي ورافقتها، كانت تنسحب من أمامي أسماء وأصحاب مواهب إنسانية عظيمة. ينسحبون بملء خيبة كونية لأنهم عاشوا في عصره، خارج العصر الذي يليق بهم، ولأنهم ولِدوا في اللحظة غير المناسبة. في الحضور الأميركي الشرس لترامب، لا تهجر الطمأنينة أعماقنا فحسب، بل أن كل نشاط حياتي لاحق سوف يكون نفياً تهكمياً لمعنى الحياة نفسها.
إن شعوري المريض بالذنب وبالمسؤولية الشخصية حيال الكوارث – طبيعية أو حربية من صنع البشر – هو ما يجعلني أسأل عن معنى اختيار هذا الرجل الأصهب ليحكم العالم؟ كم هو فاجع للقلب وللعقل أن تتأمّل هذه الجنة التي إسمها الأرض يعيث فيها هذا الرجل خراباً، فتتلاشى في الدخان ، والناس في مباذل نومهم يبكون ويضحون رماداً تحت سماء حمراء.
إنني مُنزعجة، بدرجة ما، ممّا يعتقدهُ عنا الغرباء والأجانب. لكن إذا كان هذا القلق يؤلمني أو يُعكّر علاقتي بالواقع، ويُصبح أكثر أهمية من الواقع ذاته، فهذه مشكلة. هذه مشكلتي بالأحرى.
إنني حريصة حين أكون في أميركا، على كيفيّة تظهير بلدي بشكل فائق الرّقة أمام الغرباء والجيران على وجه الخصوص. يحبونني هنا كثيراً ، ولعلّ الأمر عائد إلى مبالغاتي الشعورية العالية، وانتظامي واحترامي لقوانين حياتهم ، الأمر الذي أتساهل به في بلدي.
أحافظ بالطبع على خصوصيّتي الشرقية وأصمد أمام مُغريات في وجه التغريب فهي تعنيهم ولا تعنيني في الحقيقة. أقول لهم- حين تجمعنا مناسبات ما - مع كل لطفي البالغ بأنني أكره سياستهم حيال عالمنا العربي وعوالم أخرى، أكره اختياراتهم وأكره خصوصاً رئيسهم .
أعترف أنني خلال تجوالي الأميركي، لم تبارحني مقتلة اليمن ولا سوريا ولا العراق أو ليبيا أو لبنان ومصر وفلسطين وما يُحاك للمغرب العربي، سوى أنني كنت أهرب إلى العيش القليل، إلى يوميّات أعرف أنها تنقضي سريعاً وأعود إلى وطني، أهرب إلى عيش التفاصيل اليومية الأميركية بالكلمات أكتبها، وبالأحاسيس التي يُثيرها المحيط المُتغوّل الذي أقصده كما لو أخون بحري الأبيض المتوسّط ، أهرب إلى تأثير الإضاءة الباهرة التي تنقصنا وأكتب في قوّة العين التي ترى إلى الجمال أينما كان: سُمكُ الجدران ،متانتها، ارتفاعها وخلوّها من الشروخ، وصمت الأحياء الراقية وهسيس الوحدة التي تُعيد الاعتبار إلى إنسانيّتك المهدورة.
لا أصدّق أنه يوجد مكان على الأرض ( شيء) أكثر قسوة وسوداوية من ال"الشيزوفرانيا" بحدّيها: جمال وعظمَة أميركا، وسياساتها البشعة.

الميادين



السبت 07-10-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق