القائمة البريدية
رأي

"بيونغ يانغ" لا تمزح: هل دخلت الإدارة الأميركية مرحلة الاحتضار السياسي؟ .. بقلم : فراس عزيز ديب

"بيونغ يانغ" لا تمزح: هل دخلت الإدارة الأميركية مرحلة الاحتضار السياسي؟ .. بقلم : فراس عزيز ديب
يقولونَ إن كثرةَ المُزاح تجلب الهزل، لكن في الوقت ذاته فإن كثرةَ الجد تجلبُ الملل، وهذه مقاربةٌ تجلَّت في الأيام الماضية مع تزاحمِ الأحداث في العالم، فعندما أجرت صحيفة «اللوموند» الفرنسية حواراً مع رئيس وزراء «كل لبنان» سعد الحريري، بدا كلامهُ أشبه بـ«سكيتش كوميدي» جعلَنا للوهلةِ الأولى نتساءل: هل هي فعلاً صفحات «اللوموند» أم صفحات إحدى المجلات الساخرة التي تتعاطى مع الحدث بطريقةٍ ساخرة، تحديداً عندما تقرأ كلامهُ عن «خيار الأسد الوحيد»، أما حديثه عن «استحالة عودة النازحين إلى لبنان ما دام النظام باقياً» فإنه لا يجعلنا فقط نرغب في تذكيرهِ وتذكيرَ من يقدم له المشورةَ السياسية بأن مشهد السوريين في لبنان الراغبين في الاقتراع عندما جرت الانتخابات الرئاسية، كان حديث الصحافة المعادية لسورية قبل الصديقة لها، بل يجعلنا ندرك كم أن هذا الشخص منفصل عن الواقع، وأن درجات المُزاح لديهِ تخطت حدود الهزَل وبدأت تأكل من الهيبة، إن وجدت.
أما ما يتعلق بالمللِ المرافق للجديةِ فهو لم يبدأ مع البيان الحازم الذي أصدرتهُ وزارة خارجية «كل لبنان» لتُطالب فيه المجتمعَ الدولي بتحركٍ حازمٍ والتصدي للخطر الذي تسببه «تصرفات النظام الكوري»، لدرجةٍ شعرنا فيها وكأن أحفاد «كيم ايل سونغ» بدؤوا يعيدون حساباتهِم خوفاً من «جديةِ البيان»، لكن القضية بدأت قبل ذلك بساعاتٍ عندما أعاد من يسمون أنفسهم رعاة الديمقراطية والإنسانية في «المجتمع المتحضر» تكرارَ تهديداتهم العقيمة تجاه كوريا الديمقراطية بعد إعلانها إجراء تجربةٍ ناجحة لقنبلة هيدروجينية جديدةٍ قابلةٍ للحمل على صواريخ بعيدة المدى، تهديدات هم يدركونَ قبلَ غيرهم أنها أصبحت أكثر من مملة، لكن ما يميز كل هؤلاء من «جديين» رماديين وهزليين، أنهم يلتقون عند نقطةٍ واحدةٍ: الهروب من واقعِ أنهم في مرحلةِ الاحتضار السياسي.
جرت العادة سابقاً أن يُعلن الكوريون عن إجرائهم لتجربةٍ ما متعلقة بتطوير ترسانة الأسلحة لديهم عبر إعلامهم الرسمي، لتنهال بعد ذلك الإدانات المعتادة، أما هذه التجربة فما ميزها ليسَ فقط أن ما سبقها هو تجربةَ صاروخٍ مر من فوق الأراضي اليابانية من دون أن تحركَ القوات اليابانية أو القوات الأميركية الموجودة في «أوكيناوا» اليابانية ساكناً، لكن ما ميزها أيضاً أن كوريا الجنوبية وجارتها اليابان أعلنتا عن أصوات اهتزازاتٍ غير مسبوقة، ليعلن بعد ذلك الكوريين الديمقراطيين عن إجراء التجربةِ الناجحة، أي إن كل من يمت بصلةٍ للأميركي بات يقيس حجمَ إحباطه بمقدار الهزات التي يتعرضون لها، وهي مفارقة تجعلنا نسأل تُرى ماذا سيكون عليهِ الحال عندما تقوم بيونغ يانغ بتجربتها القادمة، وكيف سيقيس الحلف الأميركي مقدار قوةِ التجربة، أم إنهم سيعتادون أن درجة الإحباط ستقاس بعد اليوم بمقياس انتصارات الجيش العربي السوري وتعاظم قوة الكوريين الديمقراطيين بما يمثلان من «محورٍ للشر» حسب المفهوم الأميركي.
في الوقت ذاته، إن حديث «الهزات العنيفة» الناتجة عن التجربة، يجب ألا يمر مرور الكرام، بل علينا هنا العودة بالتاريخ إلى عام 2004 عندما ضرب التسونامي الشهير سواحل اندونيسيا وراح ضحيته مئات الآلاف وتسبب بضررٍ لعدةِ دولٍ في المحيط الهندي، يومها سارع الأميركيون للحديث عن ربط ارتفاع أعداد الضحايا بافتقارِ تلك الدول لمنظومةِ الإنذار المبكر من الزلازل، لكن ماذا لو حاولنا التفكير بطريقةٍ مختلفة تنطلق من فرضيةٍ أساسية: هل أجرى الأميركيون تجربةً نووية في أعماقِ المحيط الهندي وفقدوا السيطرة عليها وتسببت بما تسببته، تحديداً أن الأميركيين يمتلكون في المنطقة عدةَ قواعد عسكرية والتسونامي سبقه زلزالٌ عنيف تخطت شدته 9 درجات؟ هذا التساؤل لا ننتظر حكماً الجواب عليهِ تحديداً أننا أمام منظومة إجرامية لم تعتد يوماً أن تعترف بانتهاكها لكل القوانين، لكن السؤال الذي ننتظر الإجابة عنه، إلى أينَ سينتهي الفيلم الأميركي الكوري الطويل؟
عندما قصفت القوات الأميركية مطار «الشعيرات» في ريفِ حمص، نقلت وكالة الأنباء الكورية الديمقراطية تصريحاً للزعيم الكوري قال فيه: «إن هذا العدوان يثبت صحة خياراتنا»، ربما أهم الخيارات التي عناها بحديثهِ هي التمسك بالسلاح الرادع والكاسر للتوازن كوسيلةٍ وحيدة لردع العدو أولاً، وعدم الثقة بالولايات المتحدة من قريبٍ ولا من بعيد ثانياً، هنا علينا أن نعترف أن الزعيم الكوري بهذه التصريحات تكلم بنصفِ الحقيقة، أما النصف الآخر فيمكننا ببساطه اختصارهُ بالقول: إن الملف الكوري الديمقراطي ككتلةٍ متكاملةٍ هو بالنهايةِ حاجة لكل المراهنين على إسقاط الولايات المتحدة من عرشها وإعادة التوازن الدولي لما يجري في هذا العالم، أي إننا نتحدث عن ملف بالكامل بات يشكل «الشق العسكري» للمعركة التي يخوضها هذا الحلف ضد الغطرسة الأميركية، ربما نتحدث هنا عن فخ يريد البعض أن ينصبه للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنه حتى الآن لم يع الدرس لدرجة أن هناك من المؤيدين لخيار الحرب ضد بيونغ يانغ من يحاول إقناعه بأن الصينيين مثلاً لن يذهبوا بعيداً في دعمهم للكوريين، وتناسى هؤلاء أن الصينيين قدموا آلاف القتلى في الحرب الكورية من بينهم ابن ماو تي سونغ الأب الروحي للصين الحديثة نفسه، بالتالي فإن الغرب يتوهم عندما يعتقد أن هناك من سيسلمه الرأس الكوري على طبقٍ من ذهب، بل على العكس أن الشكل الذي تدار فيه المعركة الآن بات واضحاً بأنه يسير بمسارين متوازيين أولها ما تحدثنا عنه في الجانب العسكري والثاني هو الجانب السياسي، فكيف ذلك؟
غالباً ما يكون السؤال المطروح، لماذا لا تقدم كل من روسيا والصين الدعم الكامل للكوريين في مجلس الأمن؟ ربما القضية بسيطة وجوابها باختصار أن بيونغ يانغ أساساً ليست بحاجةٍ لهذا الدعم، لأن كل ما يمكن أن يأتي من مجلس الأمن لن يخرج عن إطار «الجدية التي تجلب الملل»؛ أي العقوبات التي هي أساساً قائمة على الشعب الكوري، لكنها لم تثنهم عن مواصلةِ بناء منظوماتهم الدفاعية بالطريقة المُثلى، وبمعنى آخر فإن الروس والصينيين يبيعون خصومهم بضاعة فاسدة لا أكثر ولا أقل.
النقطة الأهم فإن الصينيين يرسمون خطوطاً حمراء ضد أي مغامرة متعلقة بالهجوم على كوريا الديمقراطية، هذا الكلام لا يتعلق فقط بالمغامرات خارج مجلس الأمن، لكنه مرتبط بما يمكن أن يقرره المجلس أيضاً، أي إن الصين هي التي ترسم الخطوط الحمراء وليس الأميركيين كما يتراءى للبعض، والدليل على هذا الكلام واضح: لماذا لا نشاهد مشروع قرار أميركي مثلاً يستهدف التدخل الأميركي في كوريا تحت مظلة مجلس الأمن؟ لكن ما يميز هذه الخطوط الحمراء أن المعني بها ليس الولايات المتحدة وحدها وإنما هي رسالة لكل من اليابان وكوريا الجنوبية بأن الحوار مع بيونغ يانغ والخروج من العباءة الأميركية هو الخيار الأسلم على المدى الطويل، وإخراج الولايات المتحدة من منطقة بحر الصين هو الوحيد الذي يكفل السلام والأمن؛ وليس وجود القواعد الأميركية، تحديداً أن الصينيين باتوا يرفعونَ راية البريكس كقوةٍ اقتصاديةٍ سيسير العمل بتطويرها بالتوازي مع الحفاظ على الموقف الكوري كصمام أمان عسكري، فماذا ينتظرنا؟
من الوهم ألا ندرك مرحلة الاحتضار السياسي الذي تعيشه الولايات المتحدة ومن يلوذ بها، نحن نتحدث عن معركة مفتوحة هدفها التخلص من الهيمنة الأميركية مع التأكيد أن جميع الخيارات لهذه المواجهة مفتوحة، إن كانت عبر قطع أيدي الإرهاب الأميركي كما يجري في سورية، أو عبر إشهار سيف القوة كما يجري في كوريا الديمقراطية، هذه هي السبل الوحيدة لرسم نهايات الاحتضار السياسي الذي بدأت تظهر ملامحه في سورية، أما في كوريا فإن صلابة موقف بيونغ يانغ وضع الخصوم أمام خيارَين، إما أن ينجروا نحو حربٍ نووية لا يبدو أنها كفكرة تستهوي حلفاء أميركا في العالم، وليس في منطقه بحر الصين فحسب، وأما أن تجرهم للتسليم بهِا كقوةٍ نوويةٍ والجلوس معهُا حول مائدة المفاوضات وهو أمرٌ مرفوضٌ من الولايات المتحدة نفسها لأنها ستكون أشبه بمفاوضات استسلام، لكن في كلتا الحالتين النتيجة واحدة:
إن قوة بيونغ يانغ هي حاجة أساسية نحتاجها تماماً كما نحتاج لقوة الجيش العربي السوري والحلفاء على الأرض لرسم ملامح العالم لقرنٍ قادم على الأقل، لأننا عندما نتوسع في نظرتنا للمعركة الجارية وتصبح عبر بحار العالم الخمسة، فإن تشابك هذه المعركة لا يجعلنا نترقب النتائج بثقة المنتصرين فحسب بل يجعلنا نشعر بأن الوطن حيث ينهزمون.

الوطن


الاربعاء 06-09-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق