القائمة البريدية
رأي

حسابات واشنطن الناقصة .. بقلم : نضال بركات

حسابات واشنطن الناقصة .. بقلم : نضال بركات
لم يعد باستطاعة الولايات المتحدة فرض نفوذها كما كانت خلال 27 عاما السابقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وبدأت تخسر هذا النفوذ وتفردها بالقرار العالمي بعد أن باتت في مواجهة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب بدأ بالتشكل وبقوة من خلال صعود روسيا الاتحادية وإلى جانبها الصين ، وبالتالي فإن قرارات واشنطن سواء كانت من حيث النفوذ في مناطق معينة أو حتى في فرض أنظمة ودعم اخرى تريدها للحفاظ على مصالحها لم تعد تستطيع فرضها ، بينما المحور الاخر الذي تقوده موسكو يتحرك وفق الأنظمة والقوانين الدولية في مواجهة الغطرسة الأمريكية والتي كان آخرها العقوبات ضد روسيا وإيران وكوريا الديمقراطية ، وهذا ما ازعج كثيرا موسكو والقارة العجوز خاصة ألمانيا وفرنسا لأن تأثير هذه العقوبات سيشمل شركاتهم ،ولذلك فإن موسكو أكدت انها سترد بقوة على هذه العقوبات وبدأتها بخطوات دبلوماسية فطردت أكثر من 755 دبلوماسيا أمريكيا ، وهذا الإجراء "حساس" بالنسبة لواشنطن، مع استعدادها لاتخاذ خطوات أخرى في حال صعدت واشنطن من إجراءاتها.
إن حسابات واشنطن الناقصة ستجعل من هذه العقوبات فرصة لموسكو وبكين وطهران وحتى حلفاء واشنطن من الأوربيين للتوحد ضدها لأن الخسائر المتوقعة للشركات الأوروبية ستكون كارثية عليها ، وبالتالي السؤال هو هل ستمضي واشنطن في مشروعها ؟ وما هي الخطوات التي اتخذتها لمواجهة  ردات فعل الدول المتضررة ؟...بالتاكيد إن هذين السؤالين يدوران في مخيلة أصحاب القرار الأمريكي لمواجهة تداعيات هذه العقوبات ، لكن ما لم يحسبه هؤلاء هو الطريقة التي يفكر فيها اصحاب القرار في موسكو وطهران وبيونغ يانغ لأن السنوات الماضية أكدت قدرة هذه الدول على الرد دون أن يكون لواشنطن أي تأثير وبالتالي فإن الحسابات الأمريكية ستبقى ناقصة وتداعياتها ستكون أكبر ، حتى ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أثبت خلال السنوات الماضية حنكة في كيفية مواجهة الغطرسة الأمريكية خاصة في الأزمات الإقليمية والدولية التي كانت واشنطن وراء تأجيجها في سورية واوكرانيا أكد أن موسكو سترد وبحزم على العقوبات الأمريكية وقال : إن لدى موسكو طيفا واسعا من الوسائل للرد على العقوبات غير أن موسكو لا تعتزم اللجوء إليها الآن لأن ذلك لن يقتصر ضرره على العلاقات الثنائية بين الدولتين إنما سيطال العلاقات الدولية على وجه العموم..
من الواضح بان واشنطن تسعى من خلال هذه العقوبات إظهار الحزم في مواجهة خصومها في محاولة منها للضغط عليهم للحفاظ على مصالحها التي بدأت تتضرر في كثير من الأماكن خاصة في الشرق الأوسط ... ليبقى السؤال هل يمكن لواشنطن أن تحقق بالعقوبات ما عجزت عن تحقيقه بالتلويح بالقوة العسكرية وأن تؤتي ثمارها بتغيير سلوك الدول الثلاث وتعيد لأمريكا هيبتها؟ .... بالتأكيد لن تستطيع ذلك لأن الدول المستهدفة أظهرت صلابة وقوة أكثر من أي وقت مضى وهذه العقوبات لم تقلق موسكو وطهران وبيونغ يانغ بل على العكس ردت هذه الدول بخطوات أظهرت مكامن قوتها فكانت العروض العسكرية للبحرية الروسية وأيضا أطلقت طهران صاروخا يحمل قمرا اصطناعيا وأطلقت بيونغ يانغ صاروخا عابرا للقارات وحتى الصين التي أظهرت قوتها من خلال العرض العسكري كان له وقعه أيضا في هذه الفترة ورسالة أيضا لأصحاب القرار الأمريكي ، وإذا دققنا جيدا فيما يجري من أحداث في العالم نرى أن الإجراءات الأمريكية الحالية والسابقة هي أقوى من الأسباب التي أدت إلى اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وحاليا هناك توتر شديد بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وكوريا الديمقراطية والصين وإيران ، إضافة على التوتر بين الهند وباكستان وحتى بين تركيا والولايات المتحدة وخلافات كبرى حول جميع التفاهمات والاتفاقيات الدولية ، وهذا التوتر يلقي بظلاله على الجميع ، فهل تندلع حرب كبرى بسبب هذه التوترات أم ان هناك إيقاع ما يضبط الجميع عندما تصل الأمور إلى نقطة يمكن أن تتسبب في حرب كارثية ، بالتأكيد يوجد ضابط إيقاع يضبط الجميع لأنه لا يوجد مصلحة لأحد في تلك الحرب ، وما يجب أن تدركه واشنطن هو أنها لم تعد تتفرد بالقرار العالمي وحساباتها ناقصة وفي حال استمرت في التصعيد سترتد عليها وعلى حلفائها خاصة أوروبا.


الاربعاء 02-08-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق