القائمة البريدية
رأي

مصير الأسد بيد روسيا أم مصير روسيا وأميريكا بيد الأسد؟؟ .. بقلم : نارام سرجون

مصير الأسد بيد روسيا أم مصير روسيا وأميريكا بيد الأسد؟؟ .. بقلم : نارام سرجون

لاتكف أميريكا عن لعبة الكلمات المراوغة .. وهي من خلال تعاملنا مع عقولها السياسية صرنا ندرك أنها لاتغير في الكلمات بل تغير في ترتيبها بحيث أن المضمون لايتغير .. وهذه مشكلة كل من تفاوض معها بشأن السلام مع اسرائيل .. فكل ماقالته اميركا هو نفسه منذ قيام أسرائيل .. فمثلا هي تصر على أن تسبق كلمة (السلام في الشرق الأوسط) بكلمة "عملية" ليصبح المتاح هو ليس سلاما بل "عملية سلام" .. أي اننا أمام اجراءات ومناقشات وصيرورات بحيث قد تستمر العملية سنوات وربما قرونا وقد لاتنتهي الى يوم القيامة لأننا لانزال في "عملية" السلام ..
وبالأمس خرجت علينا جهابذة الكلمات الأمريكية بمنتج جديد لايزال طازجا أطلقه تيلرسون .. احتفل به الكثيرون واعتبروه نصرا فيما اكفهرت وجوه المعارضين وكظم بعضهم الغيظ .. ولكن الطرفين لم يكونا على صواب .. فالأميريكيون قالوا بأنهم أقروا بأن مصير الرئيس الأسد صار الآن بيد روسيا .. وهذه العبارة تحمل نفس المعاني التي طالما أصرت اميريكا على دفعها في لاوعينا رغما عنا ..
ان العبارة تحمل منتهى الاهانة للجميع .. للسوريين المعارضين والموالين وللروس .. لأن من يقرأ العبارة على أنها استسلام اميريكا وتسليم بفشلها الذريع ليس على صواب .. لأن كل هذه الحرب التي خضناها ودفعنا ثمنها عشرات آلاف الضحايا كانت من أجل أن لايكون مصير الشعب السوري بيد أحد .. بل بيد أبنائه فقط ..
وعبارة مصير الأسد بيد روسيا يعني أن أميريكا لاتريد أن تفكر بالشعب السوري على أنه مجموعة بشرية لها مكانتها واحترامها ودورها الحضاري والتاريخي ولايمكن اختصار أهم قرار سيادي لها المتمثل بشخص الرئيس بأنه بيد آخرين بغض النظر عن هؤلاء الآخرين .. وهذا الاختصار يهين حتى المعارضين ان كان هناك فيهم من يفهم ولديه كرامة لأن مغزى الرسالة أن السوريين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم يقرر مصيرهم آخرون ويقرر اسم رئيسهم آخرون ..ان لم تكن اميريكا .. فستكون روسيا .. وليسوا هم ..
أما روسيا فتلحق أميريكا بها الاهانة بأن تسلمها مصير شعب وكأن روسيا قاتلت من أجل أن يكون لها دور استبدادي واحتكاري لتقرر لأمة أخرى اسم رئيسه ومصيره .. أي أن روسيا بوجودها العسكري في سورية تحولت الى قوة استعمارية لأنها حصلت على نقوذ القوة الاستعمارية وهو أنها تقرر مصير الرئيس لدولة توجد فيها قوات عسكرية روسية .. مما يضفي صبغة احتلال على الوجود الروسي لأنها تمكنت من انتزاع اعتراف بأنها حصلت على ذلك التكليف من خلال قوة وجودها العسكري .. بل ان قبول روسيا به يعني أن كل ماقالته عن القرار السوري المستقل وضورة ترك مستقبل سورية ليقرره ابناؤها كان كلاما في كلام وأنها كانت تكذب على العالم وعلى السوريين .. فهي رفضت رفضا قاطعا التفاوض بشأن تحديد اسم الرئيس السوري ورفض الوصاية الغربية ورفعت الفيتو من أجله .. واذا قبلت بكلام تيلرسون فان كل مافعلته لم يعد له معنى بل انه استغلال للشعارات ثم التنكر لها عند تغير المستفيد منها ..
ولذلك فان الشعب السوري لايكترث بما تكتشفه أميريكا مبكرة أو متأخرة وبما تقرره .. لأن اميريكا يمكن ان تقرر مصير الملك السعودي .. ومصير امير قطر .. مصير الأسر المالكة في الخليج المحتل .. وتقرر مصير سعدو الحريري .. مصير ملك الأردن وزوجته .. في حين أن كل عناصر وقادر 14 آذار فيقرر مصيرهم السفير الأميريكي في بيروت .. أما مصير الشعب السوري فلايقرره الا الشعب السوري وجيشه .. ولذلك فان أصغر جندي في الجيش السوري يستطيع أن يقرر مصيرنا أكثر من الرئيس الأمريكي نفسه ..
ولكن اذا أردنا أن نلعب لعبة الألفاظ الامريكية ونقول بأننا نقرر مصير الرئيس الأمريكي ومصير رئيس الوزراء الاسرائيلي فاننا لانجانب الصواب .. فمثلا بسبب اشعالنا للمقاومة العراقية ضد جورج بوش فان اوباما استفاد من هزيمة مشروع بوش وتم اختياره كرئيس بعد بوش ليقود الانسحاب من العراق .. ولكن هزيمة اوباما في مشروع التغيير في سورية دفع ثمنه حزبه ومرشحته هيلاري كلينتون التي لولا ثبات الشعب السوري لكانت خيارا أميريكيا باستمرار مرحلة الديمقراطيين .. ولكن استفاد من خيبات أوباما في سوريا رجل الأعمال دونالد ترامب الذي رفع شعارات التنصل من الثورة السورية وخفض التدخل في الشرق .. وترامب سيدفع ثمن رعونته ان لم يقرر التراجع عن سياسة الاستعراض الأجوف .. وهذا الأمر ينطبق على نتنياهو .. وأمامه نموذج أولمرت .. لأن أيهود أولمرت خسر التحدي مع محور المقاومة في مواجهة قاسية مع حزب الله الذي كان عماد دعمه الشعب السوري وجيشه .. ولذلك فانه تم عزل أولمرت بل وملاحقته قضائيا بذرائع فساد وتم زجه في السجن وانتهى نهاية مأساوية (الصورة) ولو أنه حظي بمصافح الرئيس بشار الأسد ولو مرة واحدة لدخل تاريخ بني اسرائيل كأحد انبيائها وملوكها العظام مثل سليمان وداود .. في حين أن شارون البطل الاسرائيلي في نظر الاسرائيليين ورغم قضية الفساد التي تورط فيها ابنه جلعاد فانه عومل بتسامح وطويت القضية لن صاحبها البطل شارون .. ولم يدخل ابنه السجن لأنه ابن البطل الذي صنع الدفرسوار وجاء بمصر الى كامب ديفيد من تلك الثغرة التي عبرت منها مصر كالأسد المحاصر الى قفص كامب ديفيد الذي أقفل عليها منذ 40 سنة .. ولم يفتح حتى الآن ..
ولكن لاأظن أن هناك مبالغة اذا قلنا بأن مصير اميريكا ومصير روسيا متعلق بما يتقرر في سورية .. لأن هزيمة الشعب السوري كانت ستنتقل أصداؤها وهزاتها الارتدادية الى روسيا وايران .. فاذا استسلم الشعب السوري لمصيره الذي تقرره أميريكا ورؤساء أميريكا فان روسيا ستمسي محاصرة في سيبيرية وايران ستنكمش الى مارواء الخليج ولن تتنفس الا عبر مضيق هرمز .. وفي مرحلة لاحقة ستموت الدولتان ببطء في أزمات داخلية خانقة ليس لها مخرج .. .. ولذلك فان مصير روسيا وايران بيد سورية .. ولكن اذا تمت هزيمة أميريكا في سورية فان قدرة أميريكا على المدى المتوسط والطويل في الهيمنة على قوى العالم العملاقة مثل الصين وروسيا ستتآكل .. لأن حرية سورية تعني أن كل اقتصاد الشرق لايمكن أن يوصد عليه طريق البحر المتوسط .. وأن بضائع الشرق ستصل الى اوروبة دون عوائق أو ابتزاز .. بل ان مخزون النفط والغاز الهائلان في سورية لن يستعمل لقتل شركات النفط الروسية .. وغالبا سيتشكل كارتل عملاق للغاز مثل منظمة أوبك النفطية يكوّنه الغاز الروسي والسوري والايراني .. ليكون اقوى منظمة طاقة في العالم .. تقرر درجة حرارة الطقس ودرجة حرار الاقتصاد في العالم كله ..
مما سبق نجد أن الكلام الذي تطلقه أميريكا هو غبار لتضليل العيون .. فاعتبار مصير الأسد بيد روسيا هو استمرار لاعتبار مصائر الشعوب بيد أمم أخرى وهذا تكريس لمبدأ أميريكا في رفض مبدأ الاستقلال والسيادة للشعوب والأمم .. ولكنه ايضا تغاض وتعمية عن حقيقة أكثر خطرا هي أن أميريكا صارت تجد ان مصيرها يتحدد من قبل شعوب لايقدر غرور أميريكا على تحمله من شدة قسوته وامعانه في اهانة الذات الأميريكية .. وهو ماستحاول حتى الرمق الأخير تجنبه كقدر بدأ يتشكل في الشرق على يد الرئيس السوري الذي لايقرر مصيره الا الشعب السوري ..
وتفهم روسيا هذه الحقيقة وهي تصر على التمسك بقرار الشعب السوري لأنها تدرك أن رهانها على الشعب السوري ليس خاسرا وأن الأسد يمثل خيار وقرار الشعب السوري .. ولذلك فقد حاولت أميريكا اسقاطه ..
التلاعب بالالفاظ انتهى زمنه وصار بضاعة قديمة ولاتجد سوقا لها الا عند الأمم الجاهلة والتي لاتقرأ .. بضاعة اليوم الرابحة هي الارادة والقتال وصناعة الكبرياء .. ونحن لدينا ارادة القتال والتمسك بالكبرياء .. ولذلك فان من يملك الارادة والقتال والكبرياء ليس من حقه أن يحدد مصيره فقط ..لا بل مصير العالم ..



الخميس 06-07-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق