القائمة البريدية
رأي

السلطان العثماني الجديد .. بقلم : نضال بركات

السلطان العثماني الجديد .. بقلم : نضال بركات
حصل أردوغان على ما أراد من خلال الاستفتاء الذي جرى في السادس عشر من نيسان الجاري بشأن التعديلات الدستورية لتوسيع صلاحيات الرئيس، وهذا ما كان متوقعاً ليصل إلى مبتغاه على الرغم من الفارق البسيط  بين من يؤيد ومن يعارض هذه التعديلات ما يعني حدوث انقسام كبير في المجتمع التركي، وبالتالي لم ينجح  في كسب ولاء شعبي واسع كما كان يتوقع، وعلى الرغم من هذا الانقسام فإنه لن يأبه لجميع الانتقادات التي وجهتها له المعارضة وأيضاً من المراقبين الدوليين وتأكيدهم حدوث تزوير خلال عملية الاستفتاء.
إن الفارق الضئيل بين الـ«نعم» الضئيلة الفائزة والـ«لا» القوية الخاسرة على تنصيب أردوغان رئيساً بصلاحيات واسعة كاملة لن يؤثر على طموحاته، وبالتالي فإن هذه النتيجة ستؤدي إلى وفاة الجمهورية التركية التي أسسها كمال أتاتورك عام 1923 لتنتقل البلاد إلى عهد آخر يريده أردوغان من خلال العزف على الوتر الديني لإحياء أمجاد السلطة العثمانية ليجمع حوله كل المتطرفين والإخوان المسلمين في المنطقة كي ينصّب نفسه سلطاناً عليهم ، وهنا تكمن الخطورة بعد ان استطاع  اللعب على الوتر الديني الذي يبرع فيه، وهذا ما يهدد المجتمعات في  المنطقة، وبالتالي فإن هذا الجانب ربما يساعده في تحقيق حلمه كي يكون السلطان الجديد لتركيا، لكن هذا الحلم وإن تحقق لن يستمر طويلاً بسبب التناقضات الكبيرة التي حكم بها البلاد نحو 15 عاماً؛ لأن الصلاحيات الواسعة للرئيس التركي غير مناسبة لحاكم استبدادي مثل أردوغان، وهذا يعني أنه سيعمل على تغيير مواقفه كل يوم كي يحافظ على حكمه الاستبدادي، وقد نشهد في الفترة اللاحقة استدارات كثيرة وباتجاهات عدة كي يهرب من المآزق التي سيتعرض لها، وبالتالي فإن وضع تركيا بعد الاستفتاء سيبقى ذاته بعده لأن أردوغان يمارس الصلاحيات الكاملة خلافاً للدستور، لكن الفارق هو أن الاستفتاء جعل هذه الصلاحيات قانونية، والنسبة الضئيلة في فارق التصويت لن تردع أردوغان في الاستمرار بسياسته التي اتبعها سابق ،اً لكنها يمكن أن تتفاقم أكثر وعلى جميع المستويات، فعلى المستوى الداخلي فإنها ستؤدي إلى زيادة في التوتر لأسباب عدة أهمها:
-زيادة في الاضطرابات بسبب السياسة التي اتبعها منذ وصوله  إلى السلطة وإقصاء جميع المعارضين  له من جميع التيارات وأحزاب المعارضة والاستمرار في اعتقال جميع معارضيه ومؤيدي فتح الله غولن بعد أن استغل محاولة الانقلاب التي جرت في تموز من العام الماضي.
 -      انعدام الثقة فيما بين جميع الأحزاب التركية وحزب العدالة والتنمية، ولاسيما أن سياسة أردوغان ستؤدي إلى تهميش هذه الأحزاب وتعزيز سلطاته.
 -الصلاحيات الجديدة ستطلق يده في جميع مؤسسات الدولة، وهذا ما يعارضه تقريباً نصف المجتمع التركي.
 -تزايد أعداد المتطرفين الذين دعمهم أردوغان خلافاً للدستور وهؤلاء باتوا يشكلون نسبة كبيرة داخل المجتمع التركي، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث قلاقل كبيرة كالتي شهدناها من تفجيرات واغتيالات ومنها اغتيال السفير الروسي في أنقرة، وبسبب دعم أردوغان لهم تمكن هؤلاء - من خلال المؤسسات التركية - من دعم جميع المرتزقة الإرهابيين في سورية لارتكاب أبشع الجرائم بحق السوريين.
-الصدام مع الأكراد من خلال الصلاحيات الجديدة للرئيس.
 هذا بالنسبة للوضع الداخلي، أما على الصعيد الإقليمي فإن أردوغان سيستمر في سياسته التي اتبعها خلال السنوات السبع الماضية من عمر ما يسمى بالربيع العربي على الرغم من فشله في تحقيق ما حلم لإيصال الإخوان المسلمين الذين يدعمهم إلى السلطة لتتحطم هذه الأحلام في سورية، لكن أردوغان الذي حاول من خلال نظرية أحمد داود أوغلو صفر مشاكل مع دول الجوار نسج علاقات مع جميع دول المنطقة، وانكشفت هذه السياسة لتتحول إلى محيط من العداء ليس مع دول الجوار فحسب بل والكثير من دول المنطقة، والصلاحيات الرئاسية الجديدة ستزيد من تقلباته ليناور بها مع دول المنطقة مع استخدامه المستمر لورقة الإرهابيين الذين يدعمهم في سورية مع إيران وروسيا، وحتى تلك الدول التي يتفق معها على دعم الإرهابيين في سورية ومنها الدول الخليجية و«إسرائيل» أيضاً، وبالتالي فإننا سنشهد في الفترة اللاحقة استدارات متلاحقة لأردوغان للحفاظ على مصالحه أكثر من السابق كتلك التي شهدناها من خلال استداراته إلى موسكو، إلا أن هذه المناورات على الرغم من الصلاحيات الواسعة لن تكون كما كانت في السابق لأن إيران وروسيا استطاعتا تضييق الخناق عليه كثيراً بسبب الأوضاع والمتغيرات على أرض الواقع من خلال ما حققه الجيش العربي السوري من إنجازات على الأرض.
 
أما على الصعيد الدولي فإن أردوغان يصعّد مع العديد من الدول ولاسيما الأوروبية التي انتقدت عمليات التزوير التي وقعت في أثناء الاستفتاء، والاتحاد الأوربي يرى أن الاستفتاء سيعزز سلطات أردوغان كحاكم ديكتاتوري يتأهب لمواجهته وهذا ما سيضاعف من الصدام الدبلوماسي والسياسي بين الجانبين، حتى أن هذا الاستفتاء سيجعل من تركيا بلداً يعاني من عزلة دولية بدأت معالمها تظهر في الخلاف التركي الأوربي في الوقت الذي تحتاج فيه تركيا إلى أي حلف لها، حتى أن البعض من الدول الأوروبية أعلنت صراحة ضرورة إيقاف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي، لكن أردوغان لم يأبه لهذه الانتقادات بل إنه هاجم جميع من انتقده من الأوربيين مستخدماً تعبير الحملات الصليبية لإسكات كل من يخالفه الرأي، وهذه نبرة متشددة ليؤجج مشاعر الرأي العام لصالحه، أما الولايات المتحدة التي لا تأبه سوى إلى مصالحها فإن رئيسها ترامب هنأ أردوغان بنجاح الاستفتاء، وهذا يعني أن واشنطن لا تعير اهتماماً لا للديمقراطية ولا للحرية بل الذي يهمها مصالحها عبر أنظمة تدور في فلكها لتنفيذ كل ما تطلبه منها، ولذا فإن الهامش لدى أردوغان لم يعد كبيراً بل بات يضيق أكثر من أي وقت مضى.
بكل الأحوال فإن الاستفتاء سيغير وجه تركيا بالكامل بسبب الانقسام الكبير في المجتمع التركي، لكن أردوغان الذي سعى إلى ذلك سيستمر لتحقيق حلمه التاريخي ليملك سلطة عابرة للحكومة والبرلمان تناسبه كسلطان جديد للبلاد ولاسيما أنه لا يتوقف في خطاباته عن التذكير الدائم بمحمد الفاتح وبجميع السلاطين العثمانيين وحديثه الدائم بأنه سيعيد أمجاد هؤلاء بعد قرن على انهيار الدولية العثمانية، فهل سيحقق هذا الحلم؟ بالتأكيد لا والقادم من الأيام سيثبت ذلك بسبب العداوات التي تحيط به داخلياً وإقليمياً ودولياً.


الاربعاء 19-04-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق