القائمة البريدية
رأي

هل تشققت الدولة العميقة في أميريكا؟؟ زمن ترامب وقراءة في العاصفة القادمة .. بقلم : نارام سرجون

احدى الحماقات التي اقترفها الهدوء هو أنه رضي أن ينسب اليه دور الخادم الذي يمهد لوصول العاصفة ويهمس في آذان الناس أن العاصفة قادمة .. رغم أن من الممكن أن تكون العاصفة هي التي تسبق الهدوء وليس الهدوء هو الذي يسبق العاصفة وتصبح العاصفة هي التي توطئ للهدوء وتعلن عن وصوله بشكل صاخب متوتر؟؟ .. ان التفكير السليم يقتضي أن نعيد النظر في كل القوالب القديمة للمسلّمات والبديهيات والمقولات المسبوكة والجاهزة .. وقلبها رأسا على عقب لنعرف ان مارددناه على مدى قرون كان خطأ .. وأن العبارات الموروثة ليست مقدسة .. واذا ماطبقنا هذه العبارة المقلوبة عن الهدوء والعاصفة على السياسة الاميركية فقد نصل الى توقعات واقعية ..
فهل يكون ترامب هو العاصفة الحقيقية ويكون أوباما هو الهدوء الذي سبق العاصفة؟؟ أم أن ترامب في الحقيقة هو الهدوء الذي يتلو العاصفة بعد تلك العاصفة السوداء التي أطلقها عهد اوباما وكلينتون على الشرق الاوسط ةسميت الربيع العربي حين اعتقدنا أن بوش هو العاصفة وأن اوباما هو الهدوء الذي يتلوها .. ؟؟
قد يكون من المبكر جدا وضع أي نبوءة عن عهد ترامب وكيف سيكون طقسه عاصفا أو ماطرا أم حارا .. لكن علينا ايضا ألا نجلس تحت المظلات أو على طاولات المقاهي وننظر عبر النوافذ الى تغيرات الطقس وحركة العابرين والقادمين الينا .. بل علينا أن نخرج من مخابئنا ونسير تحت السماء لاتحت السقوف والمظلات مهما كان الطقس .. وعلينا أن نبدأ بوضع خارطة السنوات الأربع القادمة كي نعلم كيف نتحرك ..
علينا أن نتابع مايحصل من جدل في أميريكا بشأن عهد ترامب .. فهذا الرجل هو نتاج صراعات الدولة العميقة الأميريكية حيث المجمع الصناعي العسكري وعتاولة المال والبنوك والكارتيلات والاحتكارات العملاقة وغير ذلك وهذه الكتل الرأسمالية الجبارة هي التي تقرر شكل الرئيس ولونه ومذاقه وطوله بل وتملي عليه خطاباته ولايجرؤ على أن يشذ عنها .. واذا ماتمرد أرسلت عليه ووتر غيت أو .. مونيكا لوينسكي ..
ولكن الى جانب هذه الدولة العميقة التقليدية أو الكلاسيكية التي تولت ادارة البلاد لعقود كان هناك مايسمى حكومة الظل في تلك الأعماق .. وهي بقية الأثرياء والقطاعات الصناعية والراسمالية التي أوجدت تفاهما بينها وبين القوى العميقة الكلاسيكية التي تولت ادارة البلاد لعقود طويلة .. وكانت قوى الظل منكفئة طالما أن مصالحها لاتتأثر ولايتم الاعتداء عليها من قبل مؤسسات الدولة العميقة المنشغلة بمكاسبها ..
ترامب ليس من مرشحي المؤسسة التقليدية العميقة بل هو مؤشر على تحرك حكومة الظل الموازية وربما نهوض دولة عميقة أخرى لم تعد لامبالية بما تفعله الدولة العميقة التقليدية بل صارت ترى أن من حقها أن تقرر أيضا شكل الرئيس ولونه ورائحته ولسانه وتكتب له خطاباته وشعاراته .. وعلى هذا الاساس فان ترامب اما أن يكون نتيجة انشقاق ضمن الدولة العميقة التقليدية أو أن هناك نهاية لدولة عميقة كلاسيكية حكمت عقودا طويلة ولكنها تتعرض الآن للتحدي من دولة عميقة تشكلت بهدوء في الظل في العقود الأخيرة ووجدت أنها كبرت بما فيه الكفاية لتكون لها حصة في القرار السياسي بعد ان كانت مكتفية بأن تراعي القوة القديمة مصالحها المالية .. الى أن حدث الانهيار الاقتصادي الذي هدد مصالحها ووجدت أنه آن الأوان للحلول محل القوة القديمة او مقاسمتها السلطة للحفاظ على مصالحها لأن مغامرات القوة العميقة العسكرية من أجل مكاسبها الخاصة أدت الى نمو غير متكافئ في الاقتصاد الاميريكي حيث انتعش اقتصاد السلاح والنفط وتآكل الاقتصاد الباقي الذي لايبيع السلاح والنفط .. وهذا ماتسبب في أن ينمو اقتصاد العالم وخاصة في الصين على حساب الاقتصاد الاميركي الذي لاينتمي الى صناعة السلاح وتجارة النفط والمال .. وهنا بدأت طبقة من الأثرياء الجدد الذين نأوا بأنفسهم عن السياسة وقبلوا بحكومة الظل وصارت ترى أنها الأحق بقيادة الدولة والسيطرة على القوة العميقة التقليدية .. وهذه الطبقة التي تقود الاقتصاد الاميريكي المتضرر من سياسات صناعة الحروب تجد ان الحروب تفيد جزءا من النخب الرأسمالية الاميركية وخاصة في المجمع العسكري الصناعي وشركات الطاقة والنفط العابرة للقارات .. وهي حروب لاتعود كثيرا بالنفع على أثرياء حكومة الظل ..
وهذا مايمكن ان يفسر الضجيج والتحريض في أميريكا الذي يرافق ترامب منذ أول يوم لترشيحه وكانت الدولة العميقة الكلاسيكية تفضل كلينتون لانها استمرار لها في نفس النهج من الحروب وخدمة تجار السلاح والنفط دون الاكتراث لخطر النمو الصيني وتآكل الصناعة الأميريكة التي أقفلت فيها عشرات آلاف المصانع .. لكن دولة الظل العميقة تصدت لها وانتزعت السلطة منها لأنها صارت تحس بقلق بالغ وهي ترى أن الاقتصاد الصيني يأكل الاقتصاد الأميريكي الذي لم يبق فيه الا صناع السلاح وتجار النفط كقوة ضاربة كبرى ومنافسة .. ومايحاول الأثرياء الجدد فعله هو اعادة الحياة الى الصناعات والاقتصادات الاميريكة التي تآكلت عندما اهملتها الطبقة الثرية المتنفذة التي ركزت على تجارة السلاح والنفط والحروب فترامب هو تاجر عقارات ورجل أعمال يمثل تيارا عميقا خلفه صار يجد انه الأجدر بالدولة العميقة .. وماحدث في أميريكا هو انتقال السلطة في الدولة العميقة من أثرياء الى اثرياء آخرين .. أو من اثرياء قدماء الى أثرياء جدد .. وبمعنى أدق انقلاب أبيض داخل الدولة العميقة أخذها على حين غرة ..
أميريكا لم تتغير .. بل ماتغير فيها هو أن الدولة العميقة خاضت صراعا داخليا كبيرا وضاريا بين الأثرياء .. لأن الشرق الأوسط الذي ركزت عليه القوة القديمة العميقة تسبب في نهوض الصين التي سها عنها الساهون .. ويذهب البعض الى حد القول بأن مشروع الحروب فشل في سورية وأنه لاأمل في كسب الصراع الدولي على هذا البلد بل يبدو للكثيرين أن الروس والصينيين حولوا الكمين الاميركي في سورية الى كمين علق فيه الاميريكون الذين تم استدراجهم لخوض معركة استنزاف لما بقي لهم من قدرات وجهد لابقاء الاقتصاد الاميركي يتورم بتجارة السلاح والنفط ولكنه يذوب في كل الزوايا .. وخلصت حكومة الظل الى نتيجة مفادها أن معركة سورية لاطائل منها .. وأنها قد تتحول مع كلينتون الى حرب استنزاف لأميريكا بعد أن فشلت ادارة اوباما في احداث خرق فيها طوال ست سنوات .. ولابد من الانتقال الى مرحلة صراع مابعد سورية .. أي تحصين الاقتصاد الاميركي الذي يلتصق به الاقتصاد الصيني كالعلقة ويتغذى عليه لأنه صار معتمدا على ماتقدمه الصناعات الصينية له وللسوق الغربية عموما ..
وقد التقطت اولى تصريحات ترامب التي يقول فيها انه سيستأصل التطرف الاسلامي من العالم كله .. وأنه سيفكر في اقامة مناطق عازلة سورية تنفق عليها دول الخليج .. وبالرغم من ان هناك بيانات من البيت الأبيض استدركت التصريحات الى حد نفي بعضها تماما فان البعض يردد دون تفكير ان ترامب سيجرف في طريقه داعش وايران وحزب الله وسيملي وجهة نظره على بوتين الذي قد يقبل ببعض الخسائر مقابل تهدئة الحرب التي تستنزف موسكو ..
ولكن هذا التصور لايتماشى اطلاقا مع الهدف الرئيسي من الاطاحة بالقوة العميقة التقليدية .. فالانقلابيون الذين استولوا على قرار الدولة العميقة يريدون مكاسب سريعة ولن يغامروا في شن حروب غير محسوبة .. ولذلك فمن المرجح أن الحصافة السياسية ان يسارع ترامب الى شن حملة تدمير لداعش والنصرة لسهولة انجاز نصر عسكري مؤكد بوجود قوات عسكرية على الأرض مثل الجيشين السوري والعراقي .. وربما كان مايحدث من تبرؤ في الشمال السوري من النصرة وتكفير لها وتحريض مفاجئ عليها من حلفاء الأمس مؤشرا على بداية هذه الحملة .. وهذه الحملة على النصرة وداعش لها جاذبية خاصة لأن عملية تدميرهما سهلة جدا بوجود العامل الروسي والقوى الشعبية التي سترحب بذلك وتكسب ترامب نصرا معنويا كبيرا .. وهو نصر سهل سيسوق في الغرب على انه انجاز عسكري .. وفي نفس الوقت فان الحصافة السياسية من الانقلابيين الترامبيين تقتضي تجنب المواجهة مع ايران وحزب الله .. ليس حبا بهما بل لأنها معركة صعبة جدا وهي أكثر حماقة من معركة اوباما وكلينتون في سورية .. بل انها خدمة مباشرة للقوة العميقة المهزومة التي لم تكن تريد أكثر من هذا لانعاش المجمع الصناعي العسكري على حساب بقية الصناعات ولاظهار أن الأثرياء الجدد أكثر مغامرة ممن سبقوهم .. ولذلك يلتقط الديبلوماسيون اشارات صامتة ورسائل محمولة بشكل غير مباشر من قبل اصدقاء ترامب تطلب فيها أن يهدأ حزب الله على حدود شمال فلسطين المحتلة في الوقت الذي يتم فيه استئصال الارهاب الاسلامي الداعشي وارهاب النصرة كيلا يتسبب نشاط حزب الله ضد اسرائيل في احراج الحكام الجدد لأميريكا وايقاف مشروع استئصال حلفاء اسرائيل من الاسلاميين الجدد .. وسبب هذه الرغبة هي ادراك القوى الجديدة الاميركية ان كل المؤشرات تقول بأن اسرائيل بتحريض من القوة العميقة القديمة في الاستخبارات والمجمع الصناعي العسكري ستحاول بشدة استفزاز حزب الله لارغامه على الانخراط في مواجهة ضخمة تحرج ترامب وترغمه على العودة الى خط الصراع الشرق أوسطي بعيدا عن أجندته التي تريد تجميد أو تهدئة الانخراط في معادلات الشرق الأوسط على قاعدة تثبيت خطوط هدنة وتفاهمات طويلة الأمد طوال فترة ترامب الأولى على الأقل .. ويتمنى هؤلاء أن يتمتع حزب الله بأقصى درجات ضبط النفس .. الضرورية .. عندما تتحرش به اسرائيل التي مهدت لهذا التحرش باستخدام طائرات ف 35 لأول مرة منذرة بعودة استخدامها ضد شخصيات وقيادات حزب الله في الجنوب ..
الطقس الذي وصل سيكون مزيجا من هدوء عاصف .. فالعاصفة مقبلة على داعش والنصرة والمشروع الاخواني كجزء حتمي من تخلي ترامب عن اطلاق المشروع الاسلامي كرأس حربة في مشروع الحروب القادمة لأوباما وهيلاري كلينتون .. ولكن ثمن الهدوء في محور المقاومة قد تقرره طبيعة الصراع بين القوتين العميقتين اللتين تتصارعان تحت الارض في أعماق الحكم وتقرره طبيعة التفاهمات بينهما وقدرة كل منهما على أن تستدرج الاخرى الى أرضها وأولوياتها .. و الأحداث تشير الى أن القوة التقليدية لم تستسلم وهي تحرك كل العواصف ضد ترامب وتريد جره الى ايديولوجيتها بالقوة .. وهو في مقابل ذلك أضعف من ان يغامر بمناطق عازلة في سورية فيما هو يتجه نحو اقاصي الشرق لاستعادة ماأخذته الصين من اميريكا التي كانت مشغولة بالحروب .. وحتى زوال الغبار عن الصراع فان الزمن القادم الينا سيكون زمن اعادة بناء محور المقاومة واعادة هيكلته واستراتيجياته وعقيدته العسكرية والايديولوجية بناء على انتصارات مرتقبة قريبا في سورية .. واستثمار النصر في ظل غياب قوى اقليمية أو تقهقرها وصعود أخرى لاعادة ترميم نظرية الصراع العربي الصهيوني التي تآكلت في زمن الربيع العربي الاسلامي .. وهذا الاحياء للصراع العربي الصهيوني سيكون كفيلا باسقاط النظريات البديلة عن صراع الهويات والطوائف .. وهو بدوره مرتبط بنهاية مشروعين كبيرين في زمن ترامب هما المشروعان الاسلاميان المتحالفان الاخواني العثماني والوهابي .. ومن هذه المنصة سنحقق وثبتنا القادمة ..
علينا ان نتذكر اننا لاننتظر خيرا من ترامب ولانراهن عليه بل على ماأنجزناه حتى الآن ودخل في حسابات القوة العميقة الجديدة .. واذا كان من شيء يجب ان نقر به جميعا فهو أن الهزة العميقة التي منيت بها القوة العميقة الأميريكة التقليدية ليست سهله عليها وكانت فوق تصوراتها .. وفاجأها الانقلاب القادم من قوى الظل .. الا أن هذا الزلزال الذي ضرب أعصاب القوة الأميريكية العتيقة التقليدية بدأ من سورية وليس من واشنطن أو وول ستريت .. لأن السكون كان في الأعماق الاميركية غير قادر على التحرك الا عندما تبين ان العقبة الكأداء في الشرق - أي سورية - كشفت بشكل واضح أن الاقتصاد الأميريكي منهمك بالحروب والمواجهات الطويلة الخاسرة واقتصاد الحروب من اجل مكاسب البعض فيما هو يموت ببطء في بقية أميريكا ويتراجع في العالم .. وهذه المواجهة مع الحقيقة بدأت مع تحدي سورية وحلفائها لجورج بوش في العراق وتحدي سورية لاوباما في سورية نفسها .. وهذا ماجعل القوى الاميريكة الاخرى تميل لأن توقف هذا النزيف في القوة الاقتصادية الاميركية المسخّرة من أجل خدمة صناعة النفط والسلاح فقط عبر الحروب والتي استحالت الى حرب استنزاف على حساب كل اقتصادات أميريكا ..
من كان يصدق أن بلدا بعيدا جدا عن أميريكا مثل سورية يهز العقل الاميريكي التقليدي بعمق ويسقط حكومته العميقة ويهز عصره؟؟ .. هل بعد هذا يمكن أن نستغرب سر هذا الحقد والكراهية والعداء لشخص الرئيس الأسد والسيد حسن نصرالله اللذين قادا هذا الجهد الخطير في تحطيم عصر هيمنة اقتصاد الحروب؟؟ .. بل من كان يصدق أن هؤلاء الشباب الابطال في الجيش السوري وحلفائه الذين انحدروا من القرى والأرياف الفقيرة والبيوت البسيطة في كل انحاء سورية واستبسلوا في سبيل بلدهم هم الذين قرروا في النهاية نتيجة الانتخابات الامريكية ووضعوا حدا لعصر حكومات صناع السلاح والحروب؟؟ .. وهم الذين أيقظوا النائمين في ما وراء الأطلسي .. وأخرجوا أولئك الطغاة من عصر الى عصر .. وأدخلوا العالم ربما في عصر جديد ..
ليس غرورا ولا توهما .. لكنه قدر دمشق أن تكون فيها محطات العصور .. ومراسي الزمن .. وان تبدأ منها المراحل ..


السبت 28-01-2017
رجوع
رجوع
طباعة
طباعة
إرسال لصديق
إرسال لصديق