| رأي |
الحرب كما المفاوضات محتملة في جميع الساحات .. بقلم : عصام نعمان

انطباعات متفاوتة حول وجهة التطورات يأخذها المراقب من تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين و”الإسرائيليين” . بعضها يوحي بأن المنطقة متجهة إلى الحرب، عاجلاً أو آجلاً . بعضها الآخر يوحي بالعكس، أي بأن الاطراف المتصارعين يتجهون إلى مفاوضات قريبة حول المشكلات العالقة .
أكثر المسؤولين إثارةً للحيرة هم المسؤولون الصهاينة، سياسيين وعسكريين . لعل الأبرز بين هؤلاء، في هذا المجال، وزير الحرب إيهود باراك . ففي التصريح الواحد يقع المرء على مواقف له متفاوتة، إن لم تكن متناقضة، من العدو الواحد أو من الموضوع الواحد . يتحدث، مثلاً، عن الوضع في الشمال، أي حول لبنان وحزب الله، فيقول إنه هادئ بفضل قوة الردع” الإسرائيلية” . غير أنه لا يتوانى بعد ذلك عن القول إن إيران تدفع حزب الله كما حركة “حماس” في غزة إلى شن الحرب على إسرائيل . يلتقي، في الترويج لهذه الفكرة، مع مستشار الامن القومي الأمريكي الجنرال جيمس جونز الذي يدّعي “أن التاريخ يظهر انه عندما تشعر الانظمة بالضغط، كما هي الحال في إيران الآن داخلياً وخارجياً، فإنها عادةً ما تضرب من خلال اتباعها” .
المسؤولون الإيرانيون يعطون المراقب أيضاً واحياناً انطباعاً بالحيرة حول ما تتجه إليه التطورات فعلاً: هل إلى الحرب أم إلى المفاوضات . الأكثر، بين هؤلاء، إثارةً للحيرة هو الرئيس محمود أحمدي نجاد . مواقفه من الولايات المتحدة وإسرائيل وتصريحاته بالتعليق على مواقفهما من إيران وحلفائها في المنطقة تتسم غالباً بالقوة والتهديد برد الصاع صاعين . غير أن موقفه الأخير في مقابلة مع التلفزيون الحكومي الإيراني من مسألة تخصيب اليورانيوم انطوى على إيجابية لافتة . فقد أكد الرئيس الإيراني المعروف بتصلبه ان بلاده باتت مستعدة لإرسال بعض مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى الخارج من اجل معالجته للحصول على وقود نووي عالي التخصيب .
اللافت في حديث نجاد أنه جاء عقب قيام الولايات المتحدة بتوسيع نطاق “انظمة دفاعها الصاروخية” في البحر والبر والجو في منطقة الخليج وما حولها التي تشمل نشر سفن حربية تحمل انظمة اعتراض، ونصب منصات اطلاق لنظام “باتريوت” للدفاع الصاروخي على البر في أربع دول عربية خليجية .
قيل في تفسير الموقف الجديد للرئيس الإيراني انه يرمي إلى تنفيس مفاعيل ثلاثة تحركات أمريكية و”إسرائيلية” . الأول، الحديث عن تصعيد العقوبات ضد إيران بسبب رفضها العرض الداعي إلى إرسال كميات اليورانيوم المنخفض التخصيب التي تمتلكها إلى روسيا وفرنسا لزيادة نسبة تخصيبها إلى نحو 20 في المائة . الثاني، المساعي المبذولة لمصالحة “طالبان” مع نظام قراضاي بدليل استئخار واشنطن نشر نحو 18 ألفاً من جنودها في أفغانستان . الثالث، حملة “إسرائيل” ضد إيران داخل الولايات المتحدة الرامية إلى إقناع إدارة أوباما بتوجيه ضربة مدمرة لمنشآت طهران النووية .
المفارقة ان ايران تميل إلى تخفيف حدة الصراع مع الولايات المتحدة في وقت يزداد التوتر حدةً بين هذه الأخيرة والصين عقب انكشاف صفقة الأسلحة الأمريكية المتطورة إلى تايوان . ذلك ان الصين لن تكون في وارد الموافقة على تصعيد العقوبات على إيران، لا سيما ما يتعلق منها بمنع وصول مادة البنزين إليها، فلماذا لا تغتنم طهران هذه الفرصة لدعم موقفها المتصلب ضد سياسة أمريكا وحلفائها في هذا السبيل؟
على الصعيد “الإسرائيلي”، يبدو الموقف أكثر مدعاةً للحيرة . فالمناورات العسكرية تجري على قدم وساق، وآخرها جرت في صحراء النقب لمحاكاة هجوم صاعق على سوريا، في وقت لا يتوانى بنيامين نتنياهو عن التصريح، في حضور رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني، بأن “وجهة اسرائيل هي السلام مع جميع جيرانها ومع سوريا أيضاً من دون شروط مسبقة” .
الملاحظ أن كلام نتنياهو جاء متزامنا مع تصريحات أطلقها رئيس الأركان “الإسرائيلي” الجنرال غابي اشكنازي عقب مناورة صحراء النقب حذّر فيها من مغبة انفجار الأوضاع الأمنية والعسكرية على الحدود الشمالية والجنوبية ل”إسرائيل”، مؤكداً لجنود الاحتياط “ان هناك احتمالاً خلال فترة خدمتكم ان نشهد تدهوراً للاوضاع” .
إلى ذلك حذّر باراك في كلمة امام مؤتمر هرتسيليا للأمن من خطر آخر هو انه إذا لم تتوصل “إسرائيل” إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، فإنها ستتحول إما دولة ثنائية القومية وإما دولة غير ديمقراطية تعتمد نظام التمييز العنصري “ابارتايد” . وكان باراك قد دعا قبل يومين من تحذيره هذا إلى استئناف المفاوضات مع سوريا بغية “إخراجها من دائرة العداء”، في حين كان الجيش “الإسرائيلي” يقوم بمناورة في صحراء النقب لمحاكاة هجوم صاعق عليها!
كيف يمكن تفسير هذه المواقف المتفاوتة، وأحياناً المتناقضة، التي تصدر عن مسؤولين كبار في الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
يجب ألاّ يغيب عن أذهاننا ان ثمة قاسماً مشتركاً بين جميع الصراعات والنزاعات الناشبة في المنطقة . إنها الولايات المتحدة بسياساتها وقواعدها العسكرية وحروبها المتواصلة في شتى الساحات الإقليمية . فواشنطن حاضرة في الكيان الصهيوني من خلال دعمها السياسي والمالي والعسكري له، وفي العراق باحتلالها له منذ ،2003 وفي افغانستان بحربها واحتلالها لها منذ ،2001 وفي باكستان بحلفها العسكري معها ومشاركتها في الحرب الحدودية ضد “طالبان باكستان” منذ أكثر من سنتين، وفي المحيط الهندي وبحار المتوسط والأحمر والخليج من خلال الأساطيل البحرية والجوية والقواعد الموزعة على المداخل والسواحل، وفي المؤتمرات والمفاوضات الرامية إلى اجتراح تسويات تحمي مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين .
هذا الواقع الشديد التشابك يؤدي غالباً إلى بروز ظاهرة لافتة هي ارجحية خوض الحروب كما المفاوضات بين الأطراف المتصارعين في جميع الساحات دفعةً واحدة أو في فترات متزامنة . ذلك أن ثمة ترابطاً وتواقفاً interdependence في حسم الصراع، حرباً أو سلماً، بين ساحة وأخرى أو بين دولة وأخرى، بمعنى ان التسوية المرتجاة في احدى الساحات أو الدول تتوقف، بقليل أو كثير، على التسوية المرتجاة في ساحة أو دولة أخرى .
في انتظار بزوغ التسوية المرتجاة، أو الصدام الذي لا يمكن تفاديه، ثمة مخاض طويل ومعاناة سياسية واقتصادية وامنية في جميع ساحات الصراع قبل بلوغ قرار الحسم .
المنطقة، حالياً، في ذروة الصراع وحمأة الانتظار معاً .
الخليج
السبت 06-02-2010



